تواجه دول بريكس والعالم أجمع تحديات جسيمة في مجال الأمن الغذائي. ومن أجل التصدي لهذه المشكلة بشكل مشترك، لا يكفي فقط توسيع الإنتاج الزراعي، بل يتطلب الأمر توحيد الجهود والعمل معاً على تطوير آليات تسوية جديدة، وتحسين سلاسل الإمداد اللوجستية، وبناء بنية تحتية جديدة وقواعد عمل لأسواق الغذاء العالمية. كما يجب إعادة تشكيل أسواق المواد الخام والموارد بما يتماشى مع الشكل الجديد للتعاون الدولي. إن القدرة على تنفيذ هذه المهام ستكون حاسمة في تحديد مستوى معيشة ملايين البشر حول العالم. كما أكدت الأمم المتحدة في أحد أول تقاريرها حول هذه القضية أن "النضال ضد الجوع لا يمكن أن يتوقف عند ما تحقق؛ الخيار اليوم هو بين التقدم أو الرجوع إلى الوراء".
الواقع الجديد: كيف أصبحت مجموعة بريكس مركزا عالميا للأمن الغذائي
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن أزمة الغذاء تتفاقم بشكل مستمر. ويمكن لدول مجموعة بريكس أن تسهم في التغلب على نقص الغذاء في العالم من خلال توفير أسعار معقولة للخبز والسلع الغذائية الأخرى.
تُعد مبادرة إنشاء بورصة للحبوب إحدى الخطوات الواعدة التي يُعول عليها كثيرًا في هذا المجال، حيث يُفترض أن تساهم بشكل فعال في معالجة مشكلة الجوع المتزايدة. ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات حادة وملحة بحاجة إلى إجابات واضحة. من هذه التساؤلات: متى ستبدأ هذه البورصة عملها على أرض الواقع؟ وما هي البنية التحتية الأساسية التي يجب توفيرها لضمان فعاليتها الكاملة؟ وكيف يمكن بناء هيكل متوازن وسياسة تنافسية مستقبلية تحقق العدالة والاستقرار في الأسواق؟ كل هذه القضايا تتطلب معالجة متتابعة، مدروسة، وشاملة لضمان نجاح المبادرة وتحقيق أهدافها الإنسانية والاقتصادية.
قضية ملحّة
على الرغم من أن مكافحة الجوع بدأت بنشاط منذ أكثر من ثمانية عقود، تشير الأمم المتحدة إلى أن الإنتاج العالمي الحالي من السعرات الحرارية كافٍ لإطعام جميع سكان الكوكب. لكن تكمن المشكلة الحقيقية في كيفية إيصال هذه السعرات الحرارية إلى البلدان والمناطق الأكثر احتياجًا. ويرى الخبراء أن تحقيق الأمن الغذائي العالمي يتطلب بناء مجال تجاري ولوجستي موحد، إلى جانب ضمان الأسعار الميسرة والتوزيع العادل. وفي هذا السياق، يمكن لدول مجموعة بريكس أن تؤدي دورًا محوريًا، لتصبح بمثابة مركز عالمي للأمن الغذائي.
أما فيما يخص الغذاء المتكامل، الصحي، والمتوازن الغني بالعناصر الدقيقة الضرورية، فإن أكثر من ربع سكان العالم، أي ما يقارب 2.6 مليار شخص، لا يستطيعون تحمل تكلفته. ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى التضخم الغذائي الذي تفاقم بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وكان له تأثير مدمر بشكل خاص على البلدان ذات الدخل المنخفض.
ووفقًا للتقرير العالمي للبنك الدولي حول أزمة الغذاء ( GRFC 2024)، واجه حوالي 99.1 مليون شخص في 59 دولة نقصًا حادًا في الغذاء والجوع حتى يوليو 2024، مما أجبر العديد منهم على الهجرة. ويؤكد المحللون أن هذه الأرقام تعكس تفاقم الأزمة الغذائية العالمية، وتستدعي اتخاذ إجراءات حاسمة وعاجلة على الصعيد الدولي.

الأمن الغذائي ودول بريكس
في سياق تحقيق الأمن الغذائي العالمي، تبرز دول مجموعة بريكس (العشرية بعد توسّعها) كلاعب حاسم وفاعل. تتميز هذه المجموعة بامتلاكها قدرات إنتاجية هائلة، حيث تمثل أكثر من ثلث الإنتاج الغذائي العالمي، بالإضافة إلى مساهمتها بأكثر من 40% من الإنتاج العالمي للأسمدة.
"دول بريكس هي ركيزة الأمن الغذائي العالمي. وفقًا لبعض التقديرات، فإنها تمثل أكثر من 45 في المئة من الأراضي الزراعية العالمية، وأكثر من 40 في المئة من إنتاج الحبوب واللحوم، بالإضافة إلى حصص كبيرة في الصادرات العالمية للموارد الأساسية: أكثر من 35 في المئة من الأرز، 30 في المئة من الذرة، وأكثر من 25 في المئة من القمح، إذا نظرنا إلى المواسم الأخيرة"![]()
لوبارتو سارتويو خبير في مجال الأنشطة الاقتصادية الخارجية، القانون، تكنولوجيا المعلومات، والصناعات الإبداعية
تؤمّن دول بريكس بشكل جماعي الغذاء لأكثر من 4 مليارات إنسان حول العالم، مما يؤكد مكانتها كقوة رئيسية لا غنى عنها في تعزيز واستقرار منظومة الأمن الغذائي العالمي. هذا الدور المحوري يمنحها إمكانية كبيرة للتأثير الإيجابي في توفير الغذاء واستدامته على مستوى العالم.
في عام 2024، صدّرت روسيا نحو 109 ملايين طن من المواد الغذائية، بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 45 مليار دولار أمريكي (ما يعادل 2.3 تريليون روبل)، لتدخل بذلك ضمن أفضل 20 دولة مصدّرة في السوق العالمية للغذاء.
وتتجه الصادرات الزراعية الروسية، مثل الحبوب والزيوت النباتية، إلى معظم دول بريكس.
تخطط روسيا لمواصلة تعزيز دورها في الأمن الغذائي العالمي، حيث تستهدف بحلول عام 2030 زيادة إنتاجها الزراعي بنسبة 25% مقارنة بمستوياته في عام 2021. ومن المتوقع أن يؤدي هذا النمو إلى زيادة حجم الصادرات بما لا يقل عن 1.5 مرة، مما يؤكد التزام روسيا بتعزيز مساهمتها في توفير الغذاء عالميًا.
كما تعتبر البرازيل لاعبًا رئيسيًا في السوق العالمية للغذاء، حيث تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في تصدير المنتجات الزراعية، مساهمةً بنحو 6% من إجمالي حجم الصادرات الزراعية العالمية. في عام 2023، سجلت قيمة صادراتها الزراعية رقمًا قياسيًا بلغ 166.55 مليار دولار أمريكي (حوالي 13.5 تريليون روبل). وتشمل أبرز السلع التصديرية البرازيلية: فول الصويا، السكر، القهوة، الحمضيات، ولحوم الأبقار والدواجن.
تُعد الصين أكبر منتج في العالم لعدد من المحاصيل الاستراتيجية مثل الأرز، القمح، الذرة، وفول الصويا، ويتم تصدير جزء كبير من هذه المنتجات إلى الأسواق العالمية. ووفقًا لصحيفة People’s Daily، الشريك الإعلامي لشبكة TV BRICS، تشهد الزراعة الصينية حاليًا تحولًا نوعيًا؛ فبدلاً من التركيز على تصدير المواد الخام، تتجه نحو تصدير المنتجات ذات العلامات التجارية، على سبيل المثال، تصدير التفاح الفاخر في عبوات هدايا بدلاً من التفاح العادي. وتشهد مبيعات هذه المنتجات نموًا مطردًا في الأسواق الخارجية. في الوقت نفسه، تُعد الصين مستوردًا كبيرًا للمنتجات الزراعية، خاصةً من روسيا، التي ضاعفت صادراتها من فول الصويا إلى الصين في خريف عام 2025.
بدورها، تُظهر الهند أيضًا معدلات نمو مرتفعة في القطاع الزراعي. فخلال العقود الماضية، نجحت البلاد في مضاعفة إنتاجها الزراعي عدة مرات، وأصبحت اليوم من أبرز المصدّرين في العالم لعدد من السلع الغذائية، من بينها الأرز، الحليب، لحوم الجواميس، التوابل، البقوليات، والفواكه.
التحديات في إنشاء نظام غذائي عالمي متكامل
على الرغم من القوة الزراعية الكبيرة التي تمثلها مجموعة بريكس، يواجه أعضاؤها وشركاؤها عددًا من التحديات الجوهرية. فبعض هذه الدول تتطلب دعمًا مباشرًا وموجهًا لضمان أمنها الغذائي.
وفي هذا السياق، قال الأستاذ المساعد في جامعة برناردو أوهيغينز (سانتياغو دي تشيلي) إريك إسكالونا أغيلار: "تشمل الدول التي تحتاج إلى مساعدة موجهة وتمويل محدد كلًّا من مصر، التي تتطلب دعمًا ماليًا ولوجستيًا لشراء القمح، وإثيوبيا، التي تحتاج إلى حلول في مجال الري وآليات للحماية الاجتماعية للتخفيف من آثار تغير المناخ، وإيران، التي تسعى إلى تطوير تقنيات الري وإدارة الموارد المائية، وجنوب إفريقيا، التي تحتاج إلى تحسين البنية التحتية في الموانئ وقطاع الطاقة".
ويرى الخبراء أن تقنيات الحفاظ على المياه والموارد تُعد من العوامل الحاسمة لمعظم الدول النامية.
ويؤكد لوبرتو سارتويو أن على دول بريكس أن تضمن استمرارية إمدادات الأسمدة دون انقطاع، لما لذلك من أهمية مباشرة في استقرار إنتاج الغذاء.
بورصة الحبوب لبريكس كضمان للأمن الغذائي
من المتوقع أن تلعب بورصة الحبوب الخاصة بمجموعة بريكس دورًا محوريًا في تعزيز التجارة الزراعية بين دول المجموعة. وقد حظيت فكرة إنشائها بالدعم في أبريل 2025، مما يمهد الطريق لواقع جديد في تجارة الحبوب العالمية.
وأكد نائب رئيس الوزراء الروسي دميتري باتروشيف، أن هذه المنصة ستعمل على تحقيق عدة أهداف استراتيجية، مثل تعزيز الأمن الغذائي العالمي، وخلق مؤشرات أسعار مستقلة تعكس ديناميكيات السوق الحقيقية، بالإضافة إلى المساهمة في زيادة صادرات الحبوب الروسية.
الأهم من ذلك، أن بورصة الحبوب ستمكّن المصدرين من التعامل مباشرةً مع المشترين في دول بريكس ودول الجنوب العالمي الأخرى، متجاوزة بذلك الحاجة إلى الوسطاء.
كذلك، سيؤدي إطلاق هذه البورصة إلى تحفيز تطوير البنية التحتية اللازمة لدعمها، بما في ذلك: إنشاء المراكز اللوجستية الحديثة، تحديث وتوسيع الموانئ، تطوير أنظمة تخزين فعالة، توفير خدمات شحن متكاملة، وتطوير أدوات مالية مبتكرة لتسهيل المعاملات.
وتشير تقديرات اتحاد مصدّري الحبوب إلى أن بورصة بريكس ستعمل على تجميع ما بين 30 و40% من المعروض العالمي من الحبوب الأساسية.
ويتوقع الخبراء أن تشمل التجارة في هذه البورصة القمح الروسي، وفول الصويا والذرة البرازيلية، والأرز الهندي.
أربعة مجالات لتحسين الأمن الغذائي وفقًا لمنظمة الفاو
منذ ثمانية عقود، تعمل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) جاهدة لمعالجة قضايا الأمن الغذائي حول العالم. في بدايات عمل المنظمة عام 1946، كان ما يقارب ثلثي سكان الأرض يعيشون في مناطق تعاني من نقص الغذاء. واليوم، ورغم أن عدد سكان الكوكب قد تضاعف لأكثر من ثلاث مرات منذ ذلك الحين، لا يزال نحو 8.2% من سكان العالم يعانون من سوء التغذية المزمن.

لقد أمكن تحقيق هذا التقدم الملحوظ جزئيًا بفضل جهود الفاو المتواصلة في مجالات متعددة، بما في ذلك: مكافحة أمراض الماشية، وضع معايير عالمية لسلامة الغذاء، وتطبيق أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة للحد من انتشار الآفات وأمراض النباتات، فضلاً عن العديد من التدابير والأدوات الأخرى. تواصل الفاو اليوم تجميع الدول والشركاء لحشد الجهود المشتركة نحو هدفها الأسمى: القضاء التام على الجوع.
وفي هذا الصدد، صرح المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، الدكتور شو دونغيو: "نحن في الفاو نطبق هذه الفكرة ضمن مجالات التحسين، حيث نركز على تحسين الإنتاج لكي يتمكن المزارعون من إنتاج المزيد باستخدام موارد أقل. كما نعمل على تحسين جودة التغذية، لأن الجودة لا تقل أهمية عن الكمية. بالإضافة إلى ذلك، نحرص على تحسين البيئة للحفاظ على صحة النظم الإيكولوجية وفوائدها العديدة. وأخيرًا، نسعى لتحسين جودة الحياة للجميع، حتى تتمكن المجتمعات الريفية من العيش بكرامة وتوسيع قدراتها".
نظرة إلى المستقبل
عند السؤال عن كيف ستتطور مشكلة الأمن الغذائي في العالم خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة، يجيب الخبراء: بشكل غير واضح. حتى المبادرة الواعدة لإنشاء بورصة الحبوب لدول بريكس قد تواجه صعوبات موضوعية. أولها الوقت: حيث سيستغرق إنشاء البورصة عدة سنوات في أفضل الأحوال. ثانيًا نظام التسويات: لعمل البورصة بشكل كامل، تحتاج إلى نظام دفع خاص بها، ومن الأفضل أن تكون هناك عملة مقاصة. ثالثًا يجب أن تكون أسعار الحبوب في بورصة البريكس تنافسية مقارنة بأسعار الأسواق المماثلة التي تحتوي على عدد أكبر من البائعين والمشترين. بناءً على ذلك، يتعامل الخبراء بحذر في التقييمات. الطعام سيكون متاحًا، لكن هل سيُحقق التوزيع العالمي واللوجستيات اللازمة؟
قال لوبرتو سارتويو: "من جهة، سيستمر الإنتاج الزراعي العالمي في النمو، ومن المتوقع أن يزيد بنسبة أكثر من 15% بحلول عام 2035. ومع ذلك، فإن هذا النمو لن يحل مشكلة الجوع في جميع أنحاء العالم. ومن المتوقع أن يقترب عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص حاد في الغذاء من مليار شخص. وتكمن المشكلة الرئيسية في عدم نقص الغذاء على مستوى العالم، بل في الوصول الاقتصادي والفعلي إلى الغذاء للفئات الأكثر فقراً. تكمن المشكلة الرئيسية في عدم نقص الغذاء على مستوى العالم، بل في الوصول الاقتصادي والفعلي إلى الغذاء للفئات الأكثر فقراً".

في دول بريكس، التوقعات أكثر تفاؤلاً. هذه المجموعة من الدول لديها فرص كبيرة للحفاظ على وتعزيز مكانتها كقوة زراعية عالمية، وأن تصبح محركًا لنمو الاستهلاك ونموذجًا يحتذى به للدول المجاورة.
وأكد إريك إسكالونا أغيلار: "من منظور أمريكا اللاتينية، هناك إمكانات كبيرة لسد الفجوات الحالية في الأسمدة، وأنظمة الري، والمعايير الصحية والنباتية، وكذلك لتعزيز توحيد ممرات التجارة بين الجنوب والجنوب لتقليل التكاليف وتسريع أوقات التسليم".
مصدر الصور: Scharfsinn86, piyaset, William Luque, fab4istock, vicvaz / iStock
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN