الطب عن بُعد في بريكس: المسار من "خيار إضافي" إلى ركن جوهري في الرعاية الصحية
كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُسهم في تعويض نقص الأطباء، وتذليل عقبات المسافات، وسدّ الفجوة في الحصول على الرعاية الصحية في دول بريكس؟ اقرأوا التفاصيل في مقال TV BRICS.
الطب عن بُعد كأداة لتحقيق المساواة
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 40% من دول العالم تمتلك حالياً أقل من 10 أطباء لكل 10 آلاف شخص، وهو ما يبرز توزيعاً غير متكافئ، حيث يفصل غالباً بين المرضى والرعاية الطبية المؤهلة مسافات شاسعة تصل إلى مئات الكيلومترات.
ووفقاً للتقديرات، فإن القدرة على إجراء التشخيص عن بُعد وجمع البيانات للتحليلات التنبؤية باستخدام الذكاء الاصطناعي كفيلة بإنقاذ أرواح لا حصر لها في مثل هذه الحالات؛ لذا فإن "الطب عن بُعد" (Telemedicine)، الذي شهد انتشاراً واسعاً إبان جائحة كوفيد-19، أصبح جزءاً متزايد الأهمية في أنظمة الرعاية الصحية حول العالم.
وحسبما ذكرت المعطيات، فإن هذا التطور التقني يسهم في سد الفجوات في التغطية الطبية، محولاً "الطب عن بُعد" إلى أداة استراتيجية لضمان وصول الرعاية الصحية إلى المناطق النائية وتحقيق المساواة في الحصول على الخدمات العلاجية.
"في الوقت الحالي، تحول الطب عن بُعد من "خيار إضافي" إلى جزء لا يتجزأ تماماً من نظام الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم. وبالنسبة لدول بريكس، يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة؛ فالمسافات الشاسعة غالباً ما تتسبب في توزيع غير متكافئ للأطباء وعبء كبير على نظام الرعاية الصحية. لذا، يعد الطب عن بُعد أداة تسمح بسد الفجوة في الوصول إلى الرعاية الطبية بسرعة"![]()
مارغريتا إيساكوفا خبيرة في مجال الدبلوماسية الأكاديمية والعلمية، والتعاون الدولي في مجال الرعاية الصحية، والبحوث الطبية الدولية
صرحت فيتوريا دافي مارزولا، الباحثة في مجال الصحة الرقمية ضمن "النظام الصحي الموحد" (SUS) في البرازيل، خلال مقابلة مع TV BRICS، بأن هناك اعترافاً عاماً على مستوى مجموعة بريكس بأن الطب عن بُعد يمثل حلقة وصل مركزية لتحقيق المساواة في الرعاية الصحية.
وأشارت مارزولا إلى أنه رغم تفاوت مستويات تطور هذا القطاع بين دول مجموعة بريكس، إلا أن التوجه العام يتسم بنمو سريع وانتقال من المشاريع التجريبية نحو التوسع الشامل؛ وفي الوقت ذاته، تعكف دول المجموعة على تطوير مشاريع مشتركة، ومن أبرزها التعاون بين البرازيل والصين لإنشاء "مستشفيات ذكية".
ويتضمن مشروع أحد هذه المستشفيات في "المستشفى السريري" التابع لكلية الطب بجامعة ساو باولو، إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي للتشخيص، وتجهيز سيارات إسعاف باتصال 5G سريع وعالي الجودة، فضلاً عن توظيف تقنيات الطب عن بُعد للاستشارات عبر الإنترنت، حيث تُنفذ هذه المبادرة البرازيلية بدعم فني من الصين.

مصدر الصورة: AndreyPopov / iStock
الطب عن بُعد في دول مجموعة بريكس
تتبوأ الصين اليوم مكانة رائدة عالمياً في مجال رقمنة الرعاية الصحية، حيث يعتمد الطب عن بُعد هناك على نظام بيئي ضخم يغطي آلاف المستشفيات ويخدم عشرات الملايين من الأشخاص، ويشمل هذا النظام الاستشارات عبر الإنترنت، وأكشاك الذكاء الاصطناعي، و"المستشفيات الافتراضية"، بالإضافة إلى خدمات التوصيل السريع للأدوية، وهي خيارات بدأ تطبيقها بنشاط واسع إبان جائحة كوفيد-19.
وتنفذ البلاد حالياً مفهوم "الإنترنت والرعاية الصحية" (IPHC) الذي يتيح الاستشارات عن بُعد، مع وجود قيود تنظيمية صارمة؛ حيث لا يُسمح باستشارات الطب عن بُعد إلا للمراجعات الثانية للمرضى الذين خضعوا لمعاينة شخصية سابقة، كما يتوجب على المنشآت الطبية والأطباء الحصول على تراخيص محددة، مع حظر استخدام المنصات الأجنبية وتخزين بيانات المرضى على خوادم وطنية خاصة. ووفقاً للتقرير الإحصائي الـ 55 حول تطور الإنترنت في الصين، أصبحت استشارات الطب عن بُعد متاحة في كافة المقاطعات والمدن بحلول يناير 2025، مع انخراط أكثر من 70% من المراكز الطبية الوطنية في تبادل الاستشارات مع مؤسسات أكثر تخصصاً.
وفي الهند، يجري منذ سبتمبر 2021 تنفيذ برنامج "مهمة أيوشمان بهارات الرقمية" (ABDM) الهادف لرقمنة الرعاية الصحية، عبر إنشاء ملفات صحية رقمية ونظام موحد للسجلات الطبية الإلكترونية؛ وحتى مطلع العام الجاري، تم إصدار أكثر من 850 مليون معرف للمرضى، وتسجيل 454 ألف منشأة طبية، والتحقق من 767 ألف متخصص رقمياً. كما تبرز منصة الطب عن بُعد الحكومية كأداة حيوية، خاصة في المناطق النائية، حيث تتيح الاستشارات بنظامي "طبيب لطبيب" و"طبيب لمريض" عبر متصفح الويب دون الحاجة لبرمجيات خاصة.
وأكدت مارغريتا إيساكوفا، رئيسة القسم الدولي بجامعة "بيروغوف" الوطنية الروسية للبحوث الطبية، أن الهند تتميز بنطاق التغطية وسهولة الوصول، حيث تعمل أنظمتها بكفاءة حتى في ظل بنية تحتية محدودة وبالاعتماد على الأجهزة المحمولة، مشددة على أن ريادة الهند في قطاع تكنولوجيا المعلومات تنعكس بشكل جلي في تفوقها ضمن مجال الطب عن بُعد.

مصدر الصورة: lakshmiprasad S / iStock
تعمل جنوب إفريقيا على تطوير الطب عن بُعد لمواجهة نقص الأطباء والتوزيع غير المتكافئ للموارد الصحية، وذلك عبر الاستراتيجية الوطنية للصحة الإلكترونية (e-Health) ومنصة "إطار المعايير الصحية المعيارية" (HNSF)؛ حيث تشمل المبادرات إطلاق مشاريع تجريبية للعيادات الريفية وخدمات تجارية تركز على الاستشارات والأشعة والطب النفسي عن بُعد، بالإضافة إلى مراقبة الأمراض المزمنة. ورغم هذا التقدم، يظل الوصول المحدود للاتصالات والاعتماد على شبكة الكهرباء العائقين الرئيسيين أمام التوسع الشامل لهذه التقنيات.
في البرازيل، حيث يشهد الطب عن بُعد تطوراً نشطاً للغاية منذ عام 2020، يبرز البرنامج الحكومي للطب عن بُعد "SUS Digital" كلاعب رئيسي، والذي يتم تنفيذه في إطار نظام الرعاية الصحية الوطني "SUS Brasil" (نظام الصحة الموحد - Sistema Único de Saúde). وتدعم الدولة الأطباء في المناطق الريفية عبر برامج متخصصة، مع وجود قيود قانونية تمنع الاستشارات والتشخيص الأولي عن بُعد دون معاينة شخصية، باستثناء الحالات الطارئة.
أما في روسيا، فتشهد التقنيات الرقمية في الطب تطوراً عبر المشروع الوطني "الصحة" والمسار الرقمي الموحد القائم على "النظام المعلوماتي الحكومي الموحد في مجال الرعاية الصحية" (EGISZ). وتعمل في هذا الإطار خدمات رقمية متقدمة مثل "EMIAS" في موسكو و"Telemed" في سانت بطرسبرغ، إلى جانب منصات خاصة؛ وتتميز روسيا، وبدفع كبير من القطاع الخاص، بدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والمراقبة عن بُعد، فضلاً عن توظيف المساعدين الافتراضيين وبرامج الدردشة الآلية لإجراء الاستبيانات الطبية الأولية للمرضى.
"يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً استراتيجياً في تحسين الطب عن بُعد والرعاية الصحية عن بُعد في دول بريكس، لا سيما عندما يتعلق الأمر بدعم اتخاذ القرارات السريرية، والفرز الآلي للمرضى، وتحليل الصور، وإدارة كميات كبيرة من البيانات"![]()
فيتوريا دافي مارزولا خبيرة في المجال الطبي والصحة العامة
يتواصل إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي والطب عن بُعد على المستوى الحكومي في إثيوبيا، بالتوازي مع وجود منظومة طبية عن بُعد في مصر تعمل على مدار الساعة للحالات الطارئة، في حين يسجل سوق الطب عن بُعد في المملكة العربية السعودية معدلات نمو قياسية؛ ومع ذلك، يُصنف الخبراء كلاً من الصين والهند وروسيا والبرازيل كقادة بارزين داخل مجموعة بريكس في مجال الرعاية الصحية عن بُعد.
وصرحت فيتوريا دافي مارزولا في هذا السياق: "لقد حققت هذه الدول (الصين والهند والبرازيل وروسيا) تقدماً ملموساً في توسيع نطاق تغطية الخدمات الطبية للسكان، وتعمل على تنويع الخدمات المقدمة، مثل الاستشارات والمراقبة والتشخيص عن بُعد؛ وهو ما خلق فرصاً لتبادل النماذج الناجحة داخل مجموعة بريكس".
آفاق وتحديات تطوير الطب عن بُعد في مجموعة بريكس
وفي مقابلتها مع TV BRICS، أكدت مارغريتا إيساكوفا أن آفاق التعاون بين دول مجموعة بريكس في مجال الطب عن بُعد تمتلك إمكانات عالية، نظراً لتشابه التحديات التي تواجهها هذه الدول، والمتمثلة في المساحات الجغرافية الشاسعة، والوصول غير المتكافئ لخدمات الإنترنت، وضرورة حماية بيانات المرضى؛ مما يشكل قاعدة متينة لتبادل التكنولوجيا والحلول الرقمية المشتركة ووضع معايير موحدة، فضلاً عن إمكانية تطوير منصات مشتركة تستهدف الأسواق الداخلية والدول النامية الأخرى.
ويرى الخبراء أن التعاون ضمن إطار مجموعة بريكس من شأنه تسريع وتيرة تطوير حلول مشتركة تراعي الخصائص المحلية والسيادة التكنولوجية لكل دولة، حيث يمكن تنسيق العمل عبر شبكات متعددة الأطراف ومشاريع حكومية مشتركة، على غرار التعاون القائم بين البرازيل والصين في تطوير المستشفيات الذكية.
ورغم ذلك، يتعين على دول مجموعة بريكس تجاوز عوائق رئيسية في طريق التطوير الكامل للطب عن بُعد، حيث تشير مارغريتا إيساكوفا إلى أن التحدي لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في ظروف تطبيقها المتمثلة في التفاوت الرقمي، وتباين اللوائح التنظيمية، وقضايا أمن وخصوصية البيانات، مؤكدة أن "الحل يكمن في نهج شامل يتضمن تطوير البنية التحتية، ووضع لوائح تنظيمية أكثر مرونة وتنسيقاً، وتدريب الأطباء والمرضى، ودمج الطب عن بُعد في نظام الرعاية الصحية كجزء أصيل منه، وليس كحل مؤقت".

مصدر الصورة: ismagilov / iStock
وتتفق فيتوريا دافي مارزولا مع هذا الطرح، مشيرة إلى أنه بغية التغلب على هذه التحديات وغيرها، يمكن لدول مجموعة بريكس الاستثمار بشكل مشترك في البنية التحتية الرقمية، وتعزيز المعايير المشتركة، وتقوية الأطر القانونية والتنظيمية، وتبادل الخبرات الناجحة فيما بينها.
ويرى الخبراء أن الإجراءات المتسقة والمنسقة ستساهم في تقليص التفاوتات والارتقاء بالطب عن بُعد في دول مجموعة بريكس إلى مستوى أداة هيكلية هامة في الرعاية الصحية؛ ومع ذلك، يشير الخبراء إلى عنصر نجاح آخر، قد لا يكون جلياً تماماً ولكنه يتسم بالأهمية، وهو تعزيز الثقة في الطب عن بُعد، ولاسيما في أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة فيه، بين أوساط السكان؛ فبدون هذا الشرط، يرى المتخصصون أن نظام الرعاية الصحية عن بُعد لن يحقق الجدوى المطلوبة.
هذا المقال من إعداد سفيتلانا خريستوفوروفا.
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN