الرقمنة والتحضر... إعادة صياغة الهوية النفسية لسكان مدن بريكس
تشهد المدن الكبرى في دول بريكس نمواً وتحولاً بوتيرة متسارعة؛ فموسكو وشنغهاي ومومباي وجوهانسبرغ وساو باولو وجاكرتا ودبي وأديس أبابا والقاهرة وطهران، لم تعد مجرد مراكز جغرافية، بل رسخت مكانتها كأقطاب اقتصادية وثقافية عالمية تصيغ نمط حياة ورؤى فكرية جديدة وتصدرها للعالم. ويُعزى هذا التحول الجذري في المقام الأول إلى تضافر عمليتي التحضر والرقمنة، اللتين تعيدان تشكيل الملامح النفسية لسكان هذه الدول.
الرقمنة: الفرص والتحديات
تمثل الرقمنة في دول بريكس محركاً قوياً للنمو الاقتصادي وتطوير التعليم وبناء بيئات معيشية ذكية ومريحة. ومع ذلك، لا تلوح هذه الطفرة دون مخاطر؛ إذ باتت التقنيات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي قنوات اتصال مفتوحة لكافة شرائح المجتمع، بما في ذلك الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال، مما يجعل غياب الضوابط في هذا الفضاء تهديداً للاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومنظومة القيم الأخلاقية. وفي هذا الصدد، تولي الصين وروسيا أهمية بالغة لهذه القضية عبر تطبيق أنظمة تنظيمية تقنية متعددة المستويات، تهدف إلى تعظيم الفوائد الوظيفية للرقمنة مع تحييد آثارها الجانبية.
التحضر: المكاسب والتبعات
يبرز التحدي الأكبر لعملية التحضر في التآكل الحتمي للطبقة الوسطى وتقلص فرص الحراك الاجتماعي، وما يعقب ذلك من تنامٍ في معدلات عدم الرضا المجتمعي. فحتى الآن، لا تزال دول بريكس تفتقر إلى آلية موحدة لمعالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة في المدن المليونية؛ بل إن البشرية بمجملها لم تتوصل بعد إلى نموذج للمدينة الكبرى التي تكفل السعادة المطلقة لقاطنيها. لذا، تكتسب عملية التبادل المستمر للخبرات بين دول التجمع أهمية قصوى لاستكشاف حلول ناجعة لهذه المعضلات.
وعلى الجانب الآخر، تفرز الحياة الحضرية أنماطاً مجتمعية مبتكرة، مثل مساحات العمل المشتركة، والتجمعات الإبداعية، والمبادرات الهادفة لتحسين البيئة العمرانية، وهي أدوات تساهم في تعزيز شعور السكان بالانتماء، والفعالية، والقدرة على التأثير في محيطهم.
أثر العمليات العالمية في النفسية المعاصرة
تمثل الصورة النفسية لسكان دول بريكس اليوم مزيجاً فريداً يجمع بين الأصالة والقيم التقليدية وبين تحديات الحداثة؛ فهي تتسم بقدرة عالية على التكيف، ونزوع قوي نحو التعبير عن الذات، ورغبة ملحة في أن يكون صوت الفرد مسموعاً. وفي خضم موجات الرقمنة والتحضر، تبرز الحاجة الماسة إلى خلق توازن دقيق بين العالمين الافتراضي والواقعي، وبين السرعة والتأمل، وبين الخصوصية الفردية والمشاركة الاجتماعية. إن قدرة دول بريكس على ابتكار سبل لصون الصحة النفسية لمواطنيها ستظل أحد الأسئلة الجوهرية التي ستواجهها في العقود القادمة.
هذا المقال بقلم أوكسانا فاسيليفا، عضو فريق BRICS Bloggers Team ومشاركة في "مركز الموارد للإعلام الجديد".
جدير بالذكر أن مركز "الموارد للإعلام الجديد" المستقل غير الربحي يتعاون مع أكثر من 500 مدون، يهدفون إلى إبراز أهمية المهن الحرفية، وتشجيع السياحة الداخلية والخارجية، وتعزيز العلامات التجارية للمناطق المختلفة. ويوفر المركز للمؤثرين فرصًا لتطوير حضورهم الإعلامي، وصقل مهاراتهم، وبناء علاقات مفيدة، بالإضافة إلى إمكانية المشاركة في مشاريع مشتركة داخل مجتمع المدونين، ونشر محتوى عالي الجودة على وسائل التواصل الاجتماعي.
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN