المطبخ المصري: فنون الطهي في مصر
تبدأ حكاية المطبخ المصري من شريان الحياة؛ نهر النيل العظيم. يحمل النهر مياهه الحيوية عبر مصر من الجنوب إلى الشمال، مانحاً ضفافه تربة خصبة، تتيح بفضل المناخ الدافئ زراعة محاصيل متنوعة وعديدة على مدار العام.
وهذا يعني توفر الخضروات والفواكه الطازجة في كل الفصول. لذلك، لا يُعد المطبخ هنا مجرد مساحة لتحضير الطعام، بل هو "معمل للسحر"، حيث تتحول أبسط المكونات إلى ولائم فاخرة. فهل الهدف مجرد سد الجوع؟ قطعاً لا، ليس في مصر. هنا يُطهى الطعام بعناية، ويُزين بألوان ونكهات لا حصر لها، ليُقدّم في النهاية بكل حب للأهل والأحباب.
يبدأ الصباح المصري بإفطار دسم وغني. ومن المدهش أن مكونات هذه الوجبة تكاد تكون موحدة لدى الجميع وفي أغلب الأوقات. تتصدر المائدة أصناف أساسية هي: الخبز البلدي الطازج، والفول (بقوليات مطهوة ببطء ومهروسة، تُتبل بالملح والكمون والزيت والفلفل الأسود، وقد يضاف إليها الطماطم أو الفلفل حسب الرغبة)، والطعمية (عجينة الفول المتبلة والمقلية بالزيت، تُقدم ساخنة ويفضل رش السمسم عليها)، بالإضافة إلى البيض (عجة، مقلي، أو مسلوق)، والباذنجان (سواء كان مقلياً مع الثوم أو مخللاً مع الجزر والأعشاب)، وسلطة الطماطم والخيار، والجبن الأبيض الطري أو الجبن العادي، والسجق، والمخللات المشكلة، والزيتون، وأخيراً البطاطا المقلية (أصابع أو رقائق).
بعدها، يتوجه أحد أفراد الأسرة إلى السوق لشراء مستلزمات الوجبة الرئيسية طازجة. ومن الجدير بالذكر أن المطبخ المصري يكسر كافة الصور النمطية؛ فكل مصري يمتلك حساً في الطهي، ويعرف الوصفات ويتقن اختيار الخضروات والفواكه الجيدة. الرجال في الأسواق يشعرون بالارتياح بين بسطات السوق ويفاصلون البائع ببراعة. ولا فرق هنا بين الطبقات الاجتماعية؛ فسواء كان المتسوق صاحب مصنع للصلب أو سائق سيارة أجرة، تجد كلاً منهما يناقش تفاصيل طهي الأرز ببراعة، فما بالك بمهارة النساء!
الأطباق الرئيسية
تُعتبر الشوربة صنفاً أساسياً، خاصة في المطاعم التي تنفرد بتقديم "شوربة المأكولات البحرية". يتميز هذا الطبق بمرق كريمي غني، يُضاف إليه الكرفس كلمسة أساسية، ولا يكتمل طعمه إلا بعصرة من الليمون المصري الصغير. أما في الشتاء، وحين تشتد البرودة، يتم تحضير "شوربة العدس المهروس". يُعد هذا الطبق وجبة مفيدة جداً لمثل هذا الوقت من السنة، ويعتمد في تحضيره على مرق غني بالخضروات، والفلفل، والثوم، والطماطم الشتوية اللذيذة.
ولا يمكن تخيل المطبخ المصري الوطني بدون الطماطم؛ فهي المكون الحاضر في أغلب الأطباق الرئيسية. الكوسا، والباذنجان، والفلفل، ومحاشي ورق العنب والكرنب، كلها تُحضّر بصلصة الطماطم الغنية. وكذلك البامية، والبازلاء، والفاصوليا الخضراء، والسبانخ؛ حيث تُشوح الخضروات أولاً في السمن، ثم تُضاف إلى مرق اللحم، لتختتم بلمسة من صلصة الطماطم الحارة.
والآن نصل إلى "الملوخية".. ملكة المطبخ المصري بلا منازع! هي الأكلة التي يحمل المصريون المغتربون حنيناً جارفاً إليها، لدرجة أنهم قد يزرعونها في شرفات منازلهم في الغربة، وكثيراً ما يطلبون الملوخية المجففة من الأصدقاء القادمين من مصر. قد يبدو الطبق بسيطاً في ظاهره، لكنه في الواقع هو أهم سر لكل ربة منزل.
فهو عبارة عن نبات عشبي ذي أوراق خضراء صغيرة وغير كثيفة، تُغسل وتجفف ثم تُفرم وتُضاف إلى المرق الساخن مع التوابل. لكن السر يكمن في التفاصيل الدقيقة مثل التوقيت، والمقادير، وكم من الوقت تحتاج وكيف تضيف بعض المقادير، وحتى ما يجب قوله أثناء إضافتها. يُقال إن الملوخية تفقد طعمها إذا لم تُطبخ بحب و"نَفَس"، وفـي تحضيرها تتلخص كل أسرار المطبخ المصري.
في المطبخ المصري، الأولوية لما تجود به الأرض. يحرص المصريون على صون تقاليد الأجداد، ويطبخون بعلم وحرفية، والأهم من ذلك.. بحب! فعلى المائدة المصرية، هناك دائماً متسع للضيف. ولكن، احذر من "خطر" وحيد في مصر؛ انتبه لكلماتك ولا تقل بشكل عفوي "أعتقد أنني جائع"، لأنهم سيغمرونك بالكرم والطعام حتى تتذكر تلك اللحظة طويلاً!
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN