مجموعة بريكس والنهضة الثقافية: كيف ترسم القوى الصاعدة ملامح جديدة للعالم؟
على مدار العقد الماضي، شهدت مجموعة بريكس تحولاً جذرياً، متجاوزةً إطارها الاقتصادي التقليدي لتصبح شراكةً متعددة الأبعاد، تضع الثقافة والفنون في صدارة أجندتها الدبلوماسية. ومع توسع المجموعة بانضمام أعضاء جدد مثل الإمارات ومصر وإندونيسيا، تعاظم دور التعاون الثقافي كأداة استراتيجية للقوة الناعمة، تعزز نفوذ المجموعة وتأثيرها على الساحة الدولية.
رؤية ثقافية متجددة في عالم متعدد الأقطاب
تختزل دول المجموعة إرثاً حضارياً ضارباً في القدم؛ بدءاً من الفنون الحركية العريقة في الهند، والباليه الروسي ذي الصيت العالمي، وصولاً إلى الإيقاعات الموسيقية البرازيلية النابضة بالحياة، والابتكارات الفنية الصينية الممتدة عبر آلاف السنين. وتعمل المجموعة اليوم على صهر هذه التقاليد في نسيجٍ واحد يحتفي بالتعددية والاحترام المتبادل، مستمدةً رؤيتها من فلسفتها السياسية الرامية إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.
الدبلوماسية الثقافية كركيزة للقوة الناعمة
أثبتت الدبلوماسية الثقافية مكانتها كإحدى أكثر الأدوات فاعلية في جسر الهوات وبناء الثقة بين الأمم. وفي هذا السياق، كثفت بريكس من مبادراتها عبر مهرجانات سينمائية، ومعارض تشكيلية، ومنتديات أدبية، وبرامج شبابية طموحة. ويبرز "مهرجان أفلام بريكس" (الذي انطلق عام 2016) كمنصة عالمية لصناع السينما لاستعراض الهويات المجتمعية للدول الأعضاء، مقدماً للعالم رؤى سينمائية مغايرة للسائد. وبالتوازي، يسهم "مهرجان بريكس للفن الشبابي" في خلق روابط عابرة للحدود واللغات، مؤسساً لدبلوماسية شعوب مستدامة.
التعاون الرقمي وتكنولوجيا الثقافة
أتاح العصر الرقمي آفاقاً جديدة للتعاون الثقافي بين دول المجموعة؛ حيث تقود قوى مثل الصين والهند الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية ومنصات البث. وتعد مشاريع مثل "شبكة المتاحف الرقمية" ومبادرة "التراث الثقافي الافتراضي" نماذج رائدة تتيح للمستخدمين حول العالم استكشاف الكنوز المعمارية والتقاليد الفنية للدول الأعضاء عبر تجارب تقنية غامرة.
الأبعاد الاقتصادية للاقتصاد الإبداعي
بعيداً عن أروقة القوة الناعمة، يحقق التعاون الثقافي مكاسب اقتصادية ملموسة؛ حيث يُعد "الاقتصاد الإبداعي" العالمي، الذي تتجاوز قيمته تريليوني دولار، أحد أسرع القطاعات نمواً. وإدراكاً منها لهذه الأهمية، تستثمر دول بريكس في الصناعات الإبداعية كمحرك للنمو المستدام، عبر صناديق إنتاج مشترك، واستثمارات في قطاعي السينما والرسوم المتحركة، وحماية حقوق الملكية الفكرية، مما يساهم في إيجاد سوق إبداعي عالمي أكثر توازناً.
صون الهوية في مواجهة العولمة
تتبنى بريكس نهجاً يكرس الأصالة والتنوع اللغوي والتقاليد المحلية؛ فمشاريع ترجمة الأدب، وترميم المواقع التراثية، وتوثيق الفنون التقليدية، كلها جهود تسعى لتقويض الفكرة القائلة بأن التحديث يتطلب التخلي عن الجذور. وبدلاً من ذلك، تؤكد مشاريع المجموعة أن التقدم التكنولوجي والتراث الثقافي يمثلان خطين متوازيين يتطوران معاً بانسجام.
جسر ثقافي نحو الجنوب العالمي
تسعى المجموعة لتمثيل جسر حضاري يربطها بـ "الجنوب العالمي"، حيث تجد الدول النامية في نموذج بريكس إلهاماً لحماية سيادتها الثقافية مع المشاركة الفاعلة في المشهد العالمي. ومن خلال شراكات مع إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، تكرس المجموعة "حوار الجنوب-الجنوب"؛ ويتجلى ذلك في التعاون الفني بين جنوب إفريقيا ومصر، أو الروابط الأدبية بين الهند والبرازيل، بما يعكس الالتزام بترسيخ روابط فنية عابرة للقارات قائمة على تاريخ مشترك من الصمود والإبداع.
نحو توازن ثقافي عالمي منشود
في الوقت الذي ترسخ فيه بريكس مكانتها كلاعب محوري في الشؤون الدولية، تبرز دبلوماسيتها الثقافية كإرثها الأكثر ديمومة. إن المجموعة لا تعيد تشكيل المشهد الإبداعي العالمي فحسب، بل تعيد تعريف مفهوم القيادة الثقافية في القرن الحادي والعشرين، مؤكدةً أن الفن والثقافة ليسا مجرد ترفٍ هامشي، بل هما دعامتان أساسيتان لعالم أكثر عدلاً، وتوازناً، وترابطاً.
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN