تصنيفات الجامعات العالمية: الأهداف والمنهجيات والنتائج
كيف، ومن يُعدّها، ولأي غرض؟ هل يُمكن الوثوق بها تمامًا؟ لماذا قد تحتلّ الجامعة نفسها مراكز مختلفة في تصنيفات مختلفة؟ اقرأوا التفاصيل في مقال TV BRICS.
تحظى تصنيفات الجامعات السنوية باهتمام بالغ ومراقبة حثيثة من قِبل الطلاب والمتقدمين للتعليم العالي، والباحثين، والأكاديميين، فضلاً عن مديري المؤسسات التعليمية وصناع القرار المعنيين بتطوير التعليم الجامعي.
لماذا تكتسب تصنيفات الجامعات هذه الأهمية؟
تعتبر تصنيفات الجامعات بمثابة "مؤشرات مرجعية"؛ فهي من جهة تمثل بوصلة للطلاب والمتقدمين تساعدهم في اتخاذ قراراتهم الأكاديمية عبر تقييم مكانة الجامعات وتنافسيتها. ومن جهة أخرى، تمنح هذه القوائم الجامعات فرصة لتحديد مسارات نموها وتطوير استراتيجياتها من خلال تزويد الإدارات ببيانات دقيقة حول موقعها العالمي.
وقد ترسخت تصنيفات عالمية كبرى مثل "تايمز للتعليم العالي" (THE)، وتصنيف "كيو إس" (QS)، وتصنيف "شنغهاي" الأكاديمي، كأدوات سيادية في صنع القرار الأكاديمي؛ حيث باتت ترتبط بها مصائر الطلاب المهنية وترسم بناءً عليها الدول استراتيجياتها التعليمية الكبرى.
ورغم ثقلها الحالي، تُعد تصنيفات الجامعات الدولية ظاهرة حديثة نسبياً؛ إذ يعود تاريخ أول تصنيف عالمي إلى عام 2003، عندما أطلقت جامعة شنغهاي جياو تونغ "التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم" (ARWU)، المشهور حالياً بـ "تصنيف شنغهاي". ولم يكن ظهور هذا التصنيف وليد الصدفة، بل جاء استجابة لبرنامج صيني طموح في مطلع الألفية يهدف للارتقاء بالجامعات الوطنية إلى المستويات العالمية، مما استوجب وجود أداة مقارنة موضوعية.
وتوالى بعد ذلك ظهور تصنيفات دولية أخرى، صُمم كل منها لغرض محدد؛ فبينما ركز تصنيف شنغهاي على قياس الفجوة بين الجامعات الصينية ونظيراتها الدولية، استهدف تصنيف (QS) في بداياته مساعدة الطلاب حول العالم في اختيار وجهاتهم الدراسية، في حين صُمم تصنيف "تايمز للتعليم العالي" ليقدم تقييماً شمولياً يخدم المجتمع الأكاديمي والبحثي.
واليوم، وبعد مرور عقدين من الزمن، تجاوزت هذه التصنيفات دورها كأدوات أكاديمية محضة، لتصبح محركاً أساسياً للسياسات التعليمية الوطنية، وركيزة استراتيجية لإدارات الجامعات، ومحفزاً دائماً لرفع جودة التعليم وتعزيز روح التنافسية العالمية.
"تُعد تصنيفات (QS World University Rankings)، و(Times Higher Education World University Rankings)، و(Academic Ranking of World Universities) من بين القوائم الأكثر اعترافاً ومصداقية على نطاق عالمي؛ حيث تكتسب سلطتها العلمية بفضل انتشارها الواسع، ومنهجياتها المستقرة، وتعدد المؤشرات المستخدمة في التقييم. كما تمثل هذه التصنيفات مرجعاً أساسياً تعتمد عليه الحكومات والمؤسسات والطلاب في مختلف أنحاء العالم بصفة مستمرة"![]()
ريموند ماتلالا الخبير في مجالات الأعمال والتعليم والجنوب العالمي
بيد أن المشهد ليس بهذه البساطة؛ فالمكانة المرموقة التي يتمتع بها تصنيف ما لا تعني بالضرورة إمكانية الوثوق ببياناته بشكل مطلق أو الركون إليها كمعيار وحيد لصنع القرار. لذا، ينصح الخبراء قبل الشروع في دراسة التصنيفات والمقارنة بينها، بضرورة الفحص الدقيق لمعايير التقييم والمنهجيات التي تستند إليها تلك القوائم.
"تتنوع معايير التقييم، على سبيل المثال، بين معايير داخلية تُركز على منظومة التحصيل الأكاديمي، وقياس معارف الطلاب، وأداء أعضاء هيئة التدريس، ومدى مواءمة المناهج للمعايير التعليمية المعتمدة؛ وبين أنظمة خارجية تستند بصفة أساسية إلى آليات تقييم معيارية تتسم بقدر أكبر من الاستقلالية، وتتجلى عادةً في صورة التصنيفات الأكاديمية"![]()
ناتاليا كاوروفا خبيرة السياسة الدولية والحوكمة العالمية في روسيا
المجموعات الرئيسية لمعايير تقييم الجامعات
يُعد النشاط البحثي من أهم المعايير في التصنيفات الرائدة للجامعات. وتشمل مؤشرات جودته: عدد المنشورات في المجلات ذات معدلات الاقتباس العالية، و"مؤشر هيرش" (h-index) للجامعة الذي يقيم إنتاجية وتأثير النشاط العلمي للمؤسسة التعليمية، وعدد الاستشهادات لكل منشور.
كما يركز واضعو التصنيفات على "جودة التعليم"، والتي يُستدل عليها من خلال: نسبة المدرسين إلى الطلاب، والسمعة لدى أصحاب العمل، ونسبة الخريجين الحاصلين على درجات علمية، ومستوى رضا الطلاب.
أما العامل الثالث المهم للتقييم فهو "التدويل" (Internationalization)، ويُقاس بنسبة الطلاب الأجانب، ونسبة أعضاء هيئة التدريس الأجانب، والتعاون العلمي الدولي. كما تؤثر الابتكارات والارتباط بالصناعة على تصنيف الجامعة؛ حيث يُؤخذ في الاعتبار الدخل من الأبحاث، وعدد براءات الاختراع والشركات الناشئة، ومعدل توظيف الخريجين.
وفي هذا السياق، يرى الخبراء أن معايير التقييم ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار؛ حيث يفسح بعضها المجال لغيره. ففي السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام بالتنمية المستدامة والمسؤولية البيئية، وبدأ مستوى رقمنة التعليم وحتى التوازن الجندري (بين الجنسين) في البيئة الأكاديمية يكتسبان أهمية كبيرة.
مصدر الصورة: Sandwish / iStock
أنواع تصنيفات الجامعات
تعتمد توجهات التصنيف وخصائصه وحتى جمهوره المستهدف على المعايير ومنهجيات التقييم التي يستند إليها. فعلى سبيل المثال، تحظى تصنيفات مثل (QS World University Rankings) ،التي تعتمد بشكل كبير على السمعة لدى أصحاب العمل، بشعبية خاصة بين الطلاب، وفقاً لما صرحت به مارغريتا إيساكوفا، الخبيرة في الدبلوماسية العلمية الأكاديمية وتصدير التعليم الروسي ومديرة القسم الدولي في جامعة "بيروغوف"، في مقابلة مع TV BRICS.
أما تصنيف "تايمز للتعليم العالي" (THE)، فهو أكثر توجهاً نحو الأجندة البحثية؛ إذ يمثل قسم "جودة الأبحاث" في النسخة الأخيرة من منهجيته حوالي 30% من التقييم النهائي. وفي المقابل، لا يستخدم "تصنيف شنغهاي" (ARWU) الاستطلاعات، بل يعتمد فقط على مؤشرات قابلة للقياس: مثل المنشورات في مجلتي (Nature) و(Science)، وعدد الباحثين الأكثر استشهاداً بأعمالهم. ويرى الخبراء أن هذا النهج يقدم التقييم الأكثر صرامة وشفافية للقوة العلمية للجامعة.
وبشكل عام، تنقسم تصنيفات الجامعات إلى:
- عالمية: تقيم جامعات العالم ككل.
- وطنية: تقدم ترتيباً للجامعات داخل دولة معينة.
- موضوعية (تخصصية): تقيم مجالات محددة (مثل الكيمياء أو الاقتصاد).
- متخصصة: تقيم قطاعات بعينها، مثل الفنون أو الضيافة.
ومن بين التصنيفات المتخصصة، يبرز تصنيف (ESG) لجامعات دول بريكس. وتصنيف (ESG) للجامعات هو تقييم مستقل لنشاط الجامعة وفق ثلاثة محاور: البيئة، والمسؤولية الاجتماعية، والحوكمة المؤسسية. ويُظهر التصنيف مدى رفق الجامعة بالبيئة، وسلامتها للطلاب والموظفين، فضلاً عن مدى كفاءة إدارتها.
ويمكن تقسيم منهجيات تقييم الجامعات إلى عدة مقاربات رئيسية: الدراسات القائمة على السمعة (عبر استطلاع آراء الخبراء وأرباب العمل)، والتحليل "الببليومتري" (الذي يقيم نشاط النشر والاقتباس)، ومؤشرات الموارد (تشمل تقييم البنية التحتية والتمويل)، بالإضافة إلى التدويل والارتباط بالصناعة.
وتؤثر المنهجية ومعايير التقييم بشكل مباشر على ترتيب جامعة معينة في تصنيف ما؛ وهذا يفسر سبب احتلال الجامعة نفسها مراكز مختلفة في قوائم تصنيف متنوعة.
"قد يستند أحد التصنيفات بنسبة 40% إلى استطلاعات السمعة الأكاديمية، بينما يرتكز تصنيف آخر بنسبة 30% على معدلات الاستشهاد المرجعي (الاقتباس)، ويعتمد ثالث بنسبة 50% على زخم النشاط البحثي والنشر العلمي. وتبعاً لذلك، فإن الجامعة التي تمتاز بثقل علمي رصين ولكنها تفتقر للسمعة الدولية الواسعة قد تتبوأ مركزاً متقدماً في تصنيف شنغهاي، في حين قد تتراجع مرتبتها في تصنيف (QS). علاوة على ذلك، تعتمد العديد من جهات التصنيف أوزاناً متباينة لمختلف التخصصات؛ حيث يطبق تصنيف (THE) آليات احتساب لمؤشرات قطاع الطب تختلف جذرياً عن تلك المخصصة للعلوم الإنسانية"![]()
مارغريتا إيساكوفا خبيرة الدبلوماسية الأكاديمية والعلمية وتصدير التعليم الروسي والتعاون الدولي في قطاع الرعاية الصحية والأبحاث الطبية الدولية
مصدر الصورة: ismagilov / iStock
عثرات" تصنيفات الجامعات
رغم ما يحيط بأبحاث تصنيف الجامعات من هالة علمية كثيفة، إلا أن العديد من الخبراء ينظرون إليها بعين الريبة، معتبرين أنها تنطوي على قدر كبير من الذاتية.
وفي حوار حصري مع شبكة TV BRICS، أكد الباحث المستقل والخبير في شؤون التاريخ والثقافة مارسيلو باربوزا دوارتي، المتعاون مع كبرى الجامعات الحكومية البرازيلية، أنه لا يوجد تصنيف واحد يمكن الركون إليه بصفة مطلقة، حيث قال: "يجب علينا إخضاع هذه التصنيفات للتقييم والفلترة؛ فمنهجيات القياس، والمعايير المعتمدة، وحتى الأهداف والمصالح الكامنة وراءها، تتسم بالانحياز في كثير من الأحيان".
ويرى دوارتي أن هذه القوائم قد لا تعكس سوى 60% من الواقع الفعلي؛ نتيجة الاعتماد على مصادر بيانات غير موضوعية. وتتفق مارغريتا إيساكوفا مع هذا الطرح، موضحةً لـ TV BRICS أن تصنيفات شهيرة مثل (QS) و(THE) تستند في نحو 40-45% من تقييمها على "استطلاعات السمعة"، وهي في جوهرها آراء شخصية قد تفتقر للدقة أو المعرفة الكافية.
كما لفت المختصون إلى أن تحول هذه التصنيفات إلى ساحة للتنافس المحموم بين المؤسسات الأكاديمية أفرز أساليب تنافسية غير نزيهة؛ حيث أشارت مارغريتا إيساكوفا إلى لجوء بعض الجامعات لـ "تكتيكات التلاعب"، مثل التعاقد قصير الأمد مع علماء ذوي معدلات استشهاد عالية، أو إنشاء شبكات غير رسمية لتبادل الاستشهادات الأكاديمية اصطناعياً.
ومن جانبها، حذرت ناتاليا كاوروفا، خلال مقابلتها مع TV BRICS، من تضارب المصالح الناتج عن كون بعض جهات التصنيف هي في الأصل كيانات تجارية، وقالت: "ثمة توجه نحو (التحسين التكنولوجي) للمؤشرات؛ حيث تعمد الجامعات إلى رفع أرقام الطلاب الأجانب أو البحوث المشتركة بشكل صوري، دون إحداث ارتقاء حقيقي في جودة المنظومة التعليمية".
ويشير منتقدو هذه المنظومة أيضاً إلى أنها تكرس التفاوت بين الجامعات وتتجاهل الخصوصيات الثقافية والتقاليد التعليمية الوطنية؛ مما يجعل من الصعب على جامعات الدول النامية منافسة الجامعات الناطقة بالإنجليزية ذات التمويل الضخم، والتي تحظى بمحاباة تاريخية في هذه القوائم. ومع ذلك، يرى الخبراء في ظهور التصنيفات الإقليمية بارقة أمل لمقارنة الجامعات ضمن سياقات أكثر تجانساً وإنصافاً.
مصدر الصورة: TU IS / iStock
كيف تؤثر التصنيفات على قرارك الأكاديمي؟
ينصح الخبراء بضرورة النظر إلى ما وراء الأرقام عند اختيار الجامعة؛ حيث يؤكد ريموند ماتلالا، مؤسس ورئيس جمعية شباب بريكس في جنوب إفريقيا، على أهمية مراعاة عوامل جوهرية تشمل:
- قوة البرامج الأكاديمية واعتماداتها الرسمية.
- مدى مواءمة التخصص للأهداف المهنية المستقبلية.
- فرص التدريب الميداني والارتباط بقطاع الصناعة.
- الموقع الجغرافي والكلفة المادية للدراسة.
- شبكة الشراكات الدولية وفرص التبادل الطلابي.
من جهتها، اقترحت مستشارة الأكاديمية الروسية للعلوم الطبيعية ناتاليا كاوروفا، على المتقدمين الاعتماد على "الحدس الشخصي" كعامل مكمل للمعلومات الرسمية؛ موضحةً أن "الشخصيات هي التي تصنع الفارق التعليمي، وليس مجرد المناهج"، كما نبهت إلى أن أي تصنيف لا يمكنه قياس مهارة الأستاذ في نقل المعرفة بشكل مباشر.
واختتمت مارغريتا إيساكوفا المشهد بتوصية ذهبية قائلة: "التصنيفات تشبه نظام الملاحة؛ فهي ترشدك للطريق، لكن القرار النهائي يجب أن يرتكز على آراء الخريجين الفعليين، واعتمادات البرامج، ومتطلباتك الذاتية؛ فقد لا تجد ضالتك في جامعة تقع ضمن "أفضل عشرة" في العالم إذا لم تكن تلبي احتياجاتك الخاصة".
هذا المقال من إعداد سفيتلانا خريستوفوروفا.
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN