دول بريكس تتجه نحو وسائل النقل ذاتي القيادة لتعزيز التنافسية الاقتصادية
تحول جذري يشهده قطاع اللوجستيات في دول بريكس مع التوجه نحو الاعتماد على النقل ذاتي القيادة لتعزيز كفاءة التجارة البينية
تكلفة النقل بوصفه عائقاً هيكلياً أمام النمو الاقتصادي
تطور قطاع اللوجستيات تاريخياً داخل دول بريكس في ظل امتداد جغرافي شاسع، وتباين في البنية التحتية، وفوارق كبيرة في مستويات التطور الصناعي. ومع توسع التبادل التجاري، الذي تجاوز حجمه بين دول المجموعة تريليون دولار أمريكي بنهاية عام 2025، تتخذ التكاليف اللوجستية طابع القيود والاختناقات على مستوى الاقتصاد الكلي.
وخلال السنوات الخمس الماضية، نما حجم التجارة البينية داخل مجموعة بريكس بمتوسط 4.75% سنوياً، وهو نمو يصطدم بشكل متزايد بالقدرة الاستيعابية لشبكات النقل.
وفي هذا الصدد، يقول رئيس لجنة التعاون مع دول رابطة آسيان في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ورئيس تحالف B2BASEAN، ورئيس تحالف الهياكل التجارية ورواد الأعمال في دول جنوب شرق آسيا، ليوبارتو سارتويو، إن التجارة الداخلية لمجموعة بريكس تنمو بنسبة تتراوح بين 18% و20% على أساس سنوي، مع توقعات باستمرار هذه الديناميكية. كما ارتفع الضغط على الموانئ والطرق البرية والبحرية بنسبة 30% بالفعل، والأهم من ذلك أنه سيواصل الارتفاع. وبناءً على ذلك، يتعين زيادة القدرة الاستيعابية بنسبة 50% كحد أدنى خلال السنوات المقبلة. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد النقل ذاتي القيادة مجرد خيار تكميلي بل حل ضروري، في حين تتحول الخدمات اللوجستية بحد ذاتها إلى عامل هيكلي للتكامل الاقتصادي.
"تتراوح حصة الخدمات اللوجستية في الناتج المحلي الإجمالي لمختلف دول بريكس في المتوسط بين 6% و8%. إنه قطاع ضخم يضاهي الصناعات الكبرى. وستتجاوز الاستثمارات في البنية التحتية بنهاية العقد الحالي ثلاثة تريليونات دولار، وستشكل الرقمنة والأتمتة ما لا يقل عن ربع هذا المبلغ. وستصبح الخدمات اللوجستية ومكوناتها الابتكارية والمعلوماتية أساساً لتنسيق الاقتصاد ككل"![]()
لوبارتو سارتويو خبير في مجال النشاط الاقتصادي الخارجي والقانون وتكنولوجيا المعلومات والصناعات الإبداعية
وتؤدي التكاليف اللوجستية المرتفعة بشكل مباشر إلى زيادة التكلفة النهائية للمنتجات، وتقليص هوامش أرباح التصدير، والحد من تنافسية المنتجين في الأسواق الخارجية. ورغم أن هذا التأثير لا يظهر جلياً في في النظام المالي، إلا أنه يُعد خصماً مباشراً للكفاءة الاقتصادية لدول مجموعة بريكس، وأحد أبرز العقبات أمام نمو التبادل التجاري، لا سيما في ظل تجاوز حجم التسويات بالعملات الوطنية نسبة 67%؛ فدون تحديث فعال للقطاع اللوجستي، تظل المزايا المالية لهذه التجارة غير مستغلة.
"لا يُعد النقل ذاتي القيادة في قطاع الخدمات اللوجستية المعاصر إنجازاً فنياً منفرداً، بل إن جدواه الاقتصادية والتشغيلية تعتمد كلياً على نظام بيئي رقمي متكامل ومتعدد المستويات"![]()
ألكسندر تيتوف خبير الاقتصاد الرقمي والتطور التكنولوجي
وتتسم معظم اقتصادات بريكس بمستوى مرتفع ومستقر من تكاليف الخدمات اللوجستية. ووفقاً لتقديرات ألكسندر تيتوف، نائب الأمين العام للرابطة الدولية للاقتصادات الرقمية، فإن التطبيق واسع النطاق للنقل ذاتي القيادة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التكامل العميق مع البنية التحتية الرقمية والتبادل المستمر للبيانات بين جميع أطراف السلسلة اللوجستية.
ففي الهند، تُقدر نفقات الخدمات اللوجستية بنحو 13% أو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ضعف الرقم المسجل في الصين. وسيؤدي خفض هذه النفقات إلى تغيير جذري في تنافسية الهند كشريك تجاري عبر سلسلة التوريد بأكملها. وقد حددت سلطات الجمهورية هدفاً لخفض النفقات اللوجستية لتصل إلى ما بين 9% و10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، وذلك من خلال استثمار تريليون روبية هندية (نحو 10.45 مليار دولار أمريكي) في البنية التحتية متعددة الوسائط. وتشير التقديرات الحكومية الهندية إلى أن كل 100 روبية هندية (1.05 دولار) تُستثمر في هذا المجال، تولد نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 321 روبية هندية (3.36 دولار).
أما في البرازيل، فتستقر التكاليف اللوجستية عند 15.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقاً لتقرير صادر عن المركز الفيدرالي "أغروإكسبورت"، شريك شبكة TV BRICS، تحتل البلاد منذ عام 2022 المرتبة الثانية عالمياً في حجم إمدادات المنتجات الزراعية؛ إذ ارتفعت صادرات الأعمال الزراعية من 138.4 مليار دولار في عام 2024 إلى 169.2 مليار دولار في عام 2025، ما يشكل 48.5% من إجمالي الصادرات البرازيلية.
وبلغت واردات قطاع الصناعات الزراعية رقماً قياسياً قدره 15.6 مليار دولار. كما سجل محصول الحبوب مستوى تاريخياً بلغ 346.1 مليون طن، مما يعني أن حجم البضائع التي يجب تصديرها عبر الموانئ والسكك الحديدية قد وصل إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
مصدر الصورة: Kinwun / iStock
ويزيد كل مليون طن إضافي من خطر الضغط الزائد على البنية التحتية، ولذلك تصبح أتمتة مسار "الحقل - الصومعة - الميناء" مسألة حيوية للحفاظ على إيرادات التصدير. وتظل البرازيل أكبر مورد لفول الصويا والذرة إلى السوق العالمية، لكنها تعتمد في الوقت ذاته بشدة على استيراد الأسمدة بنسبة تتجاوز 80%، إذ تشكل تكلفة هذه الأسمدة ما يصل إلى 40% من تكلفة إنتاج المحاصيل التصديرية الرئيسية. وينعكس خفض الأعباء اللوجستية بنسبة 1% فقط إلى ميزة سعرية في أسواق آسيا والشرق الأوسط.
وفي الصين، انخفضت حصة التكاليف اللوجستية في الناتج المحلي الإجمالي من 14.4% في عام 2023 إلى 13.9% بنهاية عام 2025. ويأتي ذلك بفضل الرقمنة المنهجية للبنية التحتية للموانئ؛ حيث شيدت الصين حالياً 30 محطة حاويات آلية وتديرها، وهو رقم يفوق أي دولة أخرى في العالم. وفي مطلع عام 2025، حطم ميناء تشينغداو الرقم القياسي العالمي لأداء الرافعات للمرة الثانية عشرة، مسجلاً 60.9 حاوية في الساعة. وبذلك، لم تعد أتمتة الموانئ مجرد تجربة، بل أصبحت ركيزة للنموذج التشغيلي في كبرى السلاسل اللوجستية بالبلاد.
وتُقدر حصة التكاليف اللوجستية في الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بأكثر من 16%؛ إذ تجعل أطوال المسارات والظروف المناخية من نقل البضائع لمسافات طويلة بنداً مكلفاً في هيكل الاقتصاد. وفي عام 2024، زادت الصادرات الروسية بنسبة 8.4% من حيث الحجم المادي، مما يضيف أعباءً إضافية على ممرات النقل الحالية.
وتواجه جنوب إفريقيا تحدياً مزدوجاً يتمثل في ارتفاع تكلفة الوقود وعدم تجانس شبكة الطرق بين المقاطعات. بينما تعمل إثيوبيا على حل مشكلة ربط المناطق الزراعية النائية بمراكز التصدير. كما تتيح دول الشرق الأوسط، التي ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع مجموعة بريكس، فرصاً إضافية لتنسيق سياسات الطاقة والنقل. وتراهن دولة الإمارات العربية المتحدة، بفضل مساحتها المدمجة، على سرعة وكفاءة ممرات العبور التي تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. ورغم تباين الهياكل الاقتصادية، تظل اللوجستيات من أغلى العناصر في المنظومة الاقتصادية لدول بريكس، ويعد إصلاحها شرطاً حتمياً لاستمرار نمو المجموعة.
نمو التبادل التجاري والضغط على البنية التحتية
يؤدي تزايد التبادل التجاري داخل مجموعة بريكس إلى تسارع الضغط على شبكات النقل؛ إذ تعمل البنية التحتية للموانئ بمستويات إشغال عالية، وتتطلب ممرات السكك الحديدية توسعة في قدراتها الاستيعابية، وتواجه الطرق السريعة زيادة مستمرة في حركة مرور الشاحنات. غير أن وتيرة تطوير البنية التحتية في عدد من الدول لا تتزامن مع ديناميكية النمو التجاري.
وحددت السياسة اللوجستية الوطنية في الهند 196 مشروعاً حيوياً للبنية التحتية، تشمل تحديث الموانئ وتوسيع خطوط السكك الحديدية لنقل الفحم والصلب والمواد الغذائية. وباتت المنصة الرقمية ULIP الأداة الرئيسية لتنفيذ هذه المشاريع، حيث توحد بيانات جميع الأطراف الفاعلة في سلسلة التوريد، بدءاً من الجمارك وصولاً إلى المستودعات وشركات النقل. ويتيح ذلك تتبع حركة البضائع في الوقت الفعلي، وتقليص وقت إنهاء الإجراءات، وتخفيف العوائق الإدارية. ومنذ إطلاق السياسة اللوجستية الوطنية وحتى عام 2024، سجلت أكثر من 614 مؤسسة في منصة ULIP، بوصفها الأداة الرقمية الأساسية لإدارة تدفقات البضائع. وفي سياق متصل، أدى إصلاح ضريبة السلع والخدمات (GST) إلى تقليص وقت انتظار الشاحنات عند حدود الولايات بنسبة تقارب 30%.
وخلال قمة Logistics Shakti Summit 2026، ناقشت الهند سبل تطوير الشحن الجوي؛ إذ تعتزم البلاد بناء محطات شحن جوي مخصصة لا تعتمد على رحلات الركاب. وتستغل الهند استثماراتها في البنية التحتية متعددة الوسائط لترسيخ دورها كحلقة وصل في التدفقات التجارية للمجموعة. ويشمل ذلك إنشاء مسارات عبور تربط دول بريكس عبر الموانئ والسكك الحديدية والمنصات الرقمية الهندية، لتشمل تدفقات متنوعة بدءاً من إمدادات الأسمدة الروسية وصولاً إلى صادرات السيارات الصينية إلى إفريقيا. ويضع هذا التوجه الهند في موقع المنسق لسلاسل الإمداد اللوجستية داخل المجموعة، وليس مجرد مشارك فيها.
بدورها، توسع روسيا تدفقات الشحن عبر ممر "الشمال - الجنوب"، الذي سيصبح، فور الانتهاء من بناء خط "رشت - أستارا"، أحد أبرز مسارات العبور بين دول بريكس. وفي الوقت نفسه، تواجه إثيوبيا ومصر وإيران تحديات خاصة تتنوع بين ربط المناطق الزراعية النائية، وتحديث البنية التحتية للموانئ، وصولاً إلى التكامل مع ممرات النقل الحالية.
ولا يقتصر التحدي المصاحب لنمو تدفقات البضائع في دول بريكس على تهالك البنية التحتية فحسب، بل يمتد ليشمل نقصاً حاداً في الكوادر البشرية. ويفضي ذلك إلى فجوة هيكلية تتمثل في حاجة الاقتصاد المتزايدة لعمليات النقل مقابل عجز المنظومة عن تلبيتها. وتُشكل هذه الفجوة المحرك الرئيسي للانتقال نحو الحلول الرقمية والوسائل ذاتية القيادة.
وفي هذا الصدد، أشار ألكسندر تيتوف إلى أن "المركبات ذاتية القيادة تحتاج إلى شبكات ربط المركبات بجميع الأشياء (Vehicle-to-Everything - V2X)، وبنية تحتية لتقنية الجيل الخامس (5G)، وأنظمة لمعالجة البيانات في الوقت الفعلي. ومثل هذه البيئة الرقمية وحدها هي ما يضمن التشغيل الآمن للنقل غير المأهول، وتتيح للمشغل التدخل عن بُعد في الحالات الاستثنائية".
التحول نحو النموذج الرقمي لإدارة اللوجستيات
يأتي الانتقال نحو البنية الرقمية لشبكات النقل كاستجابة مباشرة لهذه التحديات. وتتبلور تدريجياً في دول بريكس نماذج تدمج وسائل النقل والبنية التحتية والمنصات الرقمية في دائرة موحدة لتبادل البيانات. ويكمن المبدأ الجوهري في أن المركبة ذاتية القيادة ليست وحدة معزولة، بل عنصراً ضمن نظام شامل يضم البنية التحتية الرقمية للطرق، وشبكات الاتصالات، ومراكز التحكم. ومن دون هذه البيئة المتكاملة، تبقى حتى أكثر الشاحنات ذاتية القيادة تطوراً مجرد آلة باهظة الثمن.
وتتجسد أقصى درجات التطبيق المنهجي لهذا المبدأ في الصين؛ حيث دشنت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات أكثر من 35 ألف كيلومتر من الطرق السريعة التجريبية المزودة بتقنية C-V2X، وهو معيار للاتصالات الخلوية يتيح للمركبة تبادل البيانات لحظياً مع السيارات الأخرى، وأيضًا مع البنية التحتية للطرق، مثل إشارات المرور، واللوحات الإرشادية، وأنظمة المراقبة. وقد أثبتت التقنية فعاليتها بالفعل؛ إذ انخفض وقت الاستجابة للأحداث المرورية في المناطق التجريبية بنسب ملحوظة، وتراجعت معدلات الازدحام وحوادث الطرق.
بدورها، حجزت الهند النطاق الترددي (5.9 غيغاهرتز) لخدمة مهام النقل الذكي، مؤسسة بذلك القاعدة القانونية لشبكات V2X في جميع أنحاء شبه القارة الهندية. وترتكز السياسة اللوجستية الوطنية في الهند على أربعة مسارات مترابطة؛ يتمثل الأول في إنشاء منصة موحدة تجمع بيانات جميع أطراف سلسلة التوريد من الجمارك إلى المستودعات. والثاني يعنى بتكامل الأنظمة الرقمية؛ إذ ترتبط بالمنصة حالياً 30 منظومة مختلفة تتبع سبع جهات حكومية، تشمل إدارات النقل البري، والسكك الحديدية، والجمارك، والطيران، والتجارة. ويهدف المسار الثالث إلى تبسيط الإجراءات لتقليص وقت التخليص الجمركي، في حين يُركز المسار الرابع على التطوير المستمر للنظام استناداً إلى تحليل أدائه. وتتضافر هذه المكونات لتحويل البيانات المتناثرة إلى مسار موحد يتيح تتبع البضائع في الوقت الفعلي، والتنبؤ بالتأخيرات، واتخاذ القرارات بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية.
وتنفذ دولة الإمارات العربية المتحدة الاستراتيجية الوطنية للتنقل الذكي ذاتي القيادة من خلال إنشاء مراكز موحدة لإدارة المواقف والأزمات. وتتولى وزارة الطاقة والبنية التحتية تنسيق تطوير ممر "أبوظبي - دبي"، حيث تتحرك سيارات الأجرة الآلية والشاحنات ذاتية القيادة ضمن شبكة رقمية موحدة.
مصدر الصورة: Natthaphong Srisawang / iStock
وفي سياق متصل، تتطور تقنيات القيادة الذاتية في القطاع الزراعي. وترصد الوكالة البرازيلية للتنمية الصناعية نمواً في الاستثمارات الموجهة لرقمنة الآليات الزراعية؛ حيث تعمل الطائرات المسيرة والجرارات ذاتية القيادة بالفعل في حقول ولايتي ماتو غروسو وساو باولو. ويجري تصميم خرائط رقمية عالية الدقة قادرة على تعويض القصور في التخطيط المادي للطرق. وعلى الرغم من النجاحات البرازيلية في قطاع الصناعات الزراعية، لا يزال مستوى الميكنة الزراعية منخفضاً، وتُنتج نسبة كبيرة من المحاصيل في مزارع صغيرة تعتمد على العمل اليدوي، مما يشكل طلباً مباشراً على إدخال التقنيات غير المأهولة والأتمتة في الحقول ومراحل النقل.
وتتغير طبيعة الشراكات اللوجستية؛ إذ لم تعد الشركات تبحث مجرد عن ناقل يعرض السعر ومدة التسليم، بل عن مشغل يدير السلسلة بأكملها؛ ويرى المخاطر قبل الشحن، ويتحقق من الوثائق، ويفهم متطلبات الجهات التنظيمية، ويجيد التعامل مع المسارات البديلة وإدارة المخاطر. وفي ظل تشديد الرقابة والتوسع في وضع العلامات الإلزامية وتتبع المنتجات والتبادل الرقمي للبيانات، يتزايد العبء التشغيلي على الشركات، مما يحتم عليها مراجعة الوثائق مسبقاً، والتحقق من أطراف الصفقة، وتقييم المسار، وإعداد خطط بديلة للطوارئ.
البنية التحتية للتنقل المتصل والنقل ذاتي القيادة
يمثل تكامل المركبات مع البنية التحتية الرقمية اتجاهاً تقنيًا رئيسياً. وبات النقل ذاتي القيادة يتجاوز كونه حلاً معزولاً ليصبح جزءاً من منظومة تفاعلية موحدة مع شبكة الطرق والمنصات اللوجستية ومراكز التحكم. وتُرسل البيانات المتعلقة بالوضع المروري، وازدحام المسارات، والظروف الجوية، والمخاطر المحتملة في الوقت الفعلي، مما يتيح تحسين المسارات، وتقليل الحوادث، وزيادة القدرة الاستيعابية للبنية التحتية دون الحاجة لزيادة حجم أسطول النقل بشكل يتناسب معها.
ووفقاً لألكسندر تيتوف، يجب دمج النقل ذاتي القيادة مع أنظمة إدارة المستودعات، ومنصات تخطيط موارد المؤسسات (ERP)، ومحطات الموانئ، والخدمات الرقمية للجهات الجمركية. وتسمح هذه المزامنة بتقليص أوقات توقف المركبات وتسريع حركة السلسلة اللوجستية بأكملها.
وقد ارتفعت تكلفة الأخطاء في عمليات الاستيراد بشكل ملحوظ؛ فالخطأ في رمز التصنيف الجمركي للبضائع، أو عدم الدقة في الفاتورة، أو التناقض في وصف المنتج، لم يعد مجرد "مشكلة ورقية فنية"، بل يعني التوقف، والتخزين، والتفتيش، وتعديل البيان الجمركي، وتكبد رسوم إضافية. وبالنسبة للشركات التي تعتمد على التوريدات المنتظمة، قد تكون تكلفة هذا الخطأ باهظة وتفوق تكلفة الخدمات اللوجستية ذاتها. وفي هذه المرحلة تحديداً، عند اختلاف الوثائق والشحنة والرقابة، لا تصبح الرقمنة مجرد أداة للراحة، بل شرطاً أساسياً لضمان عدم تعثر النقل ذاتي القيادة بالعوائق البيروقراطية.
نماذج الأتمتة في دول بريكس
يتشكل تطبيق النقل ذاتي القيادة في دول بريكس بصورة متفاوتة تعكس خصائص النماذج الاقتصادية لكل دولة. فالهدف المشترك لدول المجموعة، المتمثل في خفض تكلفة نقل البضائع، يتحقق عبر مقاربات وطنية متنوعة.
وفي هذا الصدد، علق ألكسندر تيتوف قائلاً: "يتيح تبادل النماذج الأساسية الضخمة للذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات المحلية المتعلقة بالنقل للمشغلين تدريب أنظمة النقل ذاتية القيادة على التعامل مع الأنماط السلوكية المختلفة للسائقين، والبيئات الحضرية المعقدة، والظروف الجوية المتقلبة في مختلف البلدان، دون إرهاق شركات الخدمات اللوجستية الفردية بتكاليف باهظة في البحث والتطوير".
ويبرز النموذج الصيني كأضخم هذه النماذج وأكثرها شمولاً؛ إذ تُقدر المصادر الوطنية حجم سوق النقل ذاتي القيادة في الصين بعشرات المليارات من الدولارات. وتعمل سيارات الأجرة الآلية (روبوتاكسي) في منطقة ييتشوانغ بالعاصمة بكين ومدينة ووهان ضمن وضع التشغيل التجاري، في حين تتنقل الشاحنات ذاتية القيادة بين المراكز اللوجستية. وتعالج الموانئ الذكية في شنغهاي وتيانجين الحاويات دون أي تدخل بشري، دامجة النقل البري والبحري والسكك الحديدية في سلسلة رقمية سلسة. وتستحوذ الصين على نحو 70% من حجم التجارة داخل بريكس، مما يجعل أتمتة مراكزها اللوجستية عاملاً مؤثراً على المجموعة بأسرها.
أما النموذج الهندي للأتمتة، فينطلق من أولوية السلامة والأمان. ففي عام 2024، ألزمت الحكومة تجهيز المركبات التجارية الجديدة بأنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS). وهي تقنيات تنبه السائق إلى المخاطر المحتملة ويمكنها استخدام المكابح تلقائياً، أو الحفاظ على المسار، أو التحكم في المسافة الآمنة. وتُعطى الأولوية لنقل البضائع والركاب، نظراً لأن هذين القطاعين يحددان تكلفة انتقال السلع والعمالة. كما تحفز الحكومة تطوير البنية التحتية للمستودعات عبر منحها صفة "منشآت البنية التحتية"، مما يفتح الباب أمام التمويل الميسر والاستثمارات الأجنبية.
ويمثل إنشاء خريطة رقمية وطنية جديدة عالية الدقة توجهاً مستقلاً بحد ذاته؛ فخلافاً للدول التي تمتلك تخطيطاً متطوراً للطرق، تتفاوت جودة التغطية والعلامات الأرضية في الهند بشكل حاد بين ولاية وأخرى. لذلك، لا تُصمم هذه الخريطة بناءً على العلامات المرئية، بل بالاستعانة ببيانات الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار، لتصبح بمثابة "توأم رقمي" للطرق، يتسم بثبات يفوق حالة التغطية الواقعية.
ويُعد النموذج الإماراتي معياراً تنظيمياً يُحتذى به؛ إذ حددت الدولة على المستوى الحكومي هدفاً يتمثل في رفع نسبة الرحلات ذاتية القيادة إلى 25% بحلول عام 2030. ويعمل الممر الذكي "أبوظبي - دبي" كحقل تجارب لسيارات الأجرة الآلية والشاحنات. وقد اعتمدت البلاد إطاراً قانونياً فريداً لتنظيم المسؤولية القانونية في الحوادث المرورية التي تشمل الذكاء الاصطناعي، مما يزيل العائق الرئيسي أمام التوسع الشامل، ويمنح المستثمرين بيئة قانونية شفافة ويمكن التنبؤ بها.
ويتجلى النموذج البرازيلي في التقارب اللوجستي الزراعي، حيث لا تحل الأتمتة مشكلة مجردة، بل تحدياً ملموساً، يتمثل في كيفية تصدير محصول قياسي عبر موانئ تعمل بالفعل بأقصى طاقتها الاستيعابية. وبدأ اختبار الشاحنات ذاتية القيادة لمزامنة حركتها مع جداول عمل الموانئ بهدف تقليص أوقات التوقف وزيادة معدل التشغيل. وتشكل الآلات الزراعية ذاتية القيادة في الحقول وشاحنات النقل ذاتي القيادة على مسار "الحقل - الصومعة - الميناء" سلسلة متصلة، تدار فيها كل عملية، بدءاً من الحصاد وصولاً إلى تحميل السفن، بواسطة نظام رقمي مركزي. ويسمح ذلك بتقليل الهدر والفاقد الذي عادة ما يكون مرتفعاً في اللوجستيات الزراعية بسبب العامل البشري وضعف التنسيق بين المراحل. وتكمن الصعوبة الرئيسية التي تواجه البرازيل في تحديات تتجاوز البعد التقني لتشمل البعد التنافسي والبنية التحتية، والمتمثلة في بُعد المناطق الزراعية الرئيسية عن الموانئ، والمنافسة مع دول السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور)، التي ترتبط معها البرازيل بنظام تجاري تفضيلي.
مصدر الصورة: metamorworks / iStock
ويقوم النموذج الروسي على كونه نموذجاً لعبور البضائع لمسافات طويلة. فعلى عكس دول بريكس الأخرى، لا تعتمد روسيا على أتمتة الموانئ أو المدن بقدر ما تعتمد على الإمكانات الجغرافية لأراضيها كمسار عبور ترانزيت. ويتمثل المشروع المحوري في ممر النقل الدولي "الشمال - الجنوب"، حيث أُجريت بالفعل عمليات إرسال تجريبية لشاحنات ذاتية القيادة على مساري "نوفوروسيسك - موندرا (الهند)" و"نوفوروسيسك - جبل علي (الإمارات العربية المتحدة)".
ويُبرز ليوبارتو سارتويو العروض النظامية طويلة الأجل التي تقدمها روسيا لدول بريكس، والمتمثلة في دورها كجسر يربط بين آسيا وأوروبا، وما تمتلكه من كفاءات فريدة في إدارة عمليات النقل ضمن الظروف المناخية القاسية، ومسار الممر البحري الشمالي المتاح للملاحة على مدار العام، فضلاً عن إمكانية زيادة طاقة السكك الحديدية. وتشمل حزمة التقنيات الملاحة عالية الدقة عبر نظام (غلوناس)، وحلول تكنولوجيا المعلومات وبرمجيات الطائرات المسيرة، وإدارة وتوجيه الأسطول، ورقمنة المنصات اللوجستية. ويؤكد الخبير قائلاً: "بذلك يمكن القول إن روسيا تلبي احتياجات بريكس من خلال توفير شرايين موثوقة لا غنى عنها وقادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، فضلاً عن تقديم حلول رقمية جاهزة لدمج أنظمة النقل".
ويعالج نموذج جنوب إفريقيا معضلة العزلة الجغرافية لمسارات النقل؛ إذ يضطلع النقل ذاتي القيادة في البلاد بوظيفة اقتصادية تتمحور حول البنية التحتية الاجتماعية. وتُجري هيئة الطيران المدني في جنوب إفريقيا اختبارات لطائرات شحن مسيرة تعمل بنظام الطيران خارج خط الرؤية (BVLOS). وتتجلى مهمتها الأساسية في إيجاد ترابط لوجستي في المناطق النائية التي لم تصل إليها شبكة الطرق فعلياً. وذلك يشمل توصيل الأدوية والعينات التشخيصية والبضائع التجارية إلى مناطق يكون فيها النقل التقليدي إما مكلفاً للغاية أو مستحيلاً تماماً.
وبالنسبة لجنوب إفريقيا، التي تظل فيها الفجوة في البنية التحتية بين المقاطعات واحدة من أعقد المشاكل الهيكلية، لم تعد لوجستيات الطائرات المسيرة مجرد تجربة تقنية، بل حلاً عملياً وواقعياً. ويختلف هذا النهج عن جميع نماذج دول بريكس الأخرى، إذ لا يهدف النقل ذاتي القيادة في جنوب إفريقيا إلى تحسين كفاءة التدفقات الحالية فحسب، بل يعمل على فتح خطوط إمداد جديدة تماماً. ولهذا السبب تحديداً، تكتسب تجربة جنوب إفريقيا أهمية بالغة للمجموعة بأسرها، إذ تبرهن على أن الأتمتة لا تمثل أداة لرفع الكفاءة فحسب، بل وسيلة فعالة لتحقيق الترابط والربط.
وفي المحصلة، تتضافر جميع هذه النماذج نحو هدف واحد، يتمثل في خفض تكلفة نقل البضائع.
التحول في النموذج الاستثماري
يشهد المشهد الاستثماري داخل دول بريكس تحولاً هيكلياً مستقراً. فبعد أن كان الجزء الأكبر من الاستثمارات يوجه نحو البنية التحتية المادية للنقل، تنمو اليوم حصة الاستثمارات المخصصة للبيئة الرقمية للوجستيات؛ شبكات نقل البيانات، وأنظمة المراقبة، ومراكز معالجة المعلومات، ومنصات الإدارة الذكية، والتحليلات التنبؤية. وعملياً، تتشكل فئة جديدة من البنية التحتية تُعرف بـ "المنظومة اللوجستية الرقمية" كأصل قائم بذاته.
ويمثل بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة بريكس، الركيزة المالية لهذا التحول. ففي عام 2025، جمع البنك 1.25 مليار دولار عبر إصدار سندات بعائد 4.375%، و25 مليار يوان (نحو 3.71 مليار دولار) من خلال خمس سلاسل من سندات "الباندا" بعوائد تتراوح بين 1.7% و2.26%. كما تشهد حصة المشاريع التي تتضمن مكوناً رقمياً للبنية التحتية للنقل، تزايداً متسقراً ضمن المحفظة الاستثمارية للبنك. وتعتزم إندونيسيا الإسهام بمليار دولار في بنك التنمية الجديد بهدف الانضمام إليه والحصول على تمويل لمشاريع في مجالات الطاقة الخضراء، والتحول الرقمي، والبنية التحتية.
وفي سياق متصل، تتدفق الاستثمارات نحو البنية التحتية من صناديق الثروة السيادية للدول الخليجية، وآليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في البرازيل، وبرامج البنية التحتية للصين. وقد أسس منتدى الاستثمار لدول بريكس، الذي عُقِد في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2025، لانطلاق مشاريع بقيمة تقارب 9 مليارات دولار. ويتجه التدفق الرئيسي لرؤوس الأموال نحو تطوير شبكات نقل البيانات، ومراكز معالجة المعلومات، وتزويد الطرق السريعة بأجهزة الاستشعار والمستشعرات الذكية.
ويُعد تطوير آليات الدفع المستقلة عنصراً رئيسياً في الهيكل المالي لدول بريكس، ويشمل ذلك منصة الدفع الدولية للمجموعة، ونظام التسويات بين البنوك بالعملات الوطنية، وتوسيع نطاق استخدام اليوان والروبية والريال والروبل في التبادل التجاري. ويُسهم ذلك في تمكين دول المجموعة من خفض تكاليف المعاملات المالية وتسريع عمليات التسوية بين الأطراف المشاركة.
تكامل ممرات النقل عبر الحدود
ترتبط المرحلة التالية من تطور النقل ذاتي القيادة بدمج الأنظمة الوطنية في ممرات موحدة وعابرة للحدود. ويتمحور الأمر حول تشكيل مسارات متصلة بين دول بريكس، بحيث تحافظ تدفقات البضائع على استمراريتها بسلاسة عند عبور الحدود.
وسيتطلب ممر النقل الدولي "الشمال - الجنوب"، الذي يربط بين روسيا وإيران والهند، وضع معايير موحدة لتبادل البيانات بين المركبات ذاتية القيادة والبنية التحتية للدول المشاركة. وسيُسهم بناء خط السكك الحديدية "رشت - أستارا" بطول 162 كيلومتراً في إيران في نقل ما لا يقل عن 15 مليون طن من البضائع سنوياً، مقلصاً زمن الرحلة من ميناء أوست لوغا إلى ميناء بندر عباس من 35-40 يوماً إلى 15-20 يوماً.
وتتصل ممرات النقل في الشرق الأوسط، حيث تلعب الإمارات العربية المتحدة دور المركز المحوري، بالمسارات الإفريقية والجنوب آسيوية. ومن بين مجالات التعاون الواعدة بين روسيا من جهة وإيران والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى، تبرز مشاريع النقل واللوجستيات، بما في ذلك تطوير ممر النقل الدولي "الشمال - الجنوب" والاستثمارات المشتركة في البنية التحتية للموانئ.
وتتجه المسارات البحرية للموانئ البرازيلية لتلبية الطلب من المستهلكين الآسيويين. وتعتبر الصين المشتري الأول للسلع الزراعية البرازيلية، إذ استحوذت في عام 2024 على 30.8% من إجمالي الصادرات. وفي العام ذاته، شهدت صادرات البرازيل إلى مصر زيادة ملحوظة بلغت +91.5%، مما يعكس ديناميكية إعادة توجيه التدفقات التجارية ويستوجب ابتكار حلول لوجستية تتسم بالمرونة.
ويتحول تقليص زمن العبور (الترانزيت) والتكاليف اللوجستية إلى مضاعف تجاري مباشر؛ فالمسارات الاستراتيجية التي توفر الوقت تُعزز القدرة التنافسية وتوسع حجم التبادل التجاري.
ويشكل إطلاق برنامج المسار التجاري الآمن والذكي (SSTL) بين الصين وجنوب إفريقيا نموذجاً عملياً لهذا التكامل. ويُعد هذا البرنامج الأول من نوعه في دول بريكس، إذ ينشئ "ممراً أخضر" للتجارة؛ فإذا اجتازت البضائع الفحص في الصين، تعفى من التفتيش الجمركي المتكرر عند وصولها إلى جنوب إفريقيا. وتُسهم هذه المزامنة للإجراءات الجمركية في تقليص وقت التخليص بأكثر من 60%. ويبرهن هذا المثال بوضوح على أن الأثر الاقتصادي للنقل ذاتي القيادة لن يتحقق بشكله الكامل إلا إذا شملت الرقمنة الإجراءات الرقابية على الحدود إلى جانب وسائل النقل.
ومع ذلك، يكمن التحدي الأبرز في الغياب الواضح لمعايير رقمية موحدة، وتفاوت الإجراءات الجمركية، وعدم التوافق بين أنظمة إدارة البيانات. ودون معالجة هذه القضايا، سيظل تأثير الاعتماد على النقل ذاتي القيادة محلياً ولن يرقى ليكون محركاً للنمو المنهجي في التجارة المتبادلة.
وفي هذا الصدد، صرح ألكسندر تيتوف بأن "إدخال حلول النقل ذاتي القيادة ضمن دول بريكس+ بدون اعتماد معيار رقمي شامل وموحد سيؤدي إلى ظهور جزر من الأتمتة محدودة النطاق، والمتمثلة في ممرات داخلية عالية الكفاءة تتوقف فجأة فور ملامستها للحدود الدولية. ولا يكمن العائق الرئيسي داخل إطار دول بريكس+ في غياب الرقمنة، بل في المستوى المتقدم من التطور الذي وصلت إليه المنصات الوطنية الحالية والاختلافات الجوهرية بينها". وأوضح أن الحل يكمن في إرساء مجموعة موحدة من البروتوكولات مفتوحة المصدر لتبادل البيانات، مع ضمان احترام السيادة الرقمية لكل دولة.
مصدر الصورة: ipopba / iStock
اللوجستيات كنظام لإدارة الإمداد
تتحول اللوجستيات الحديثة داخل مجموعة بريكس تدريجياً من مجرد عملية لنقل البضائع إلى نظام متكامل لإدارة التوريد والإمداد. وتبرز القدرة على التنبؤ بالمسارات، والشفافية في حركة البضائع، وإدارة المخاطر في كل مرحلة من سلسلة التوريد، كمعايير حاسمة.
وباتت تكلفة الأخطاء -سواء في الوثائق أو توجيه المسارات أو بين الأطراف المشاركة في عملية التوريد- تضاهي، وفي بعض الحالات تتجاوز، تكلفة النقل ذاتها. فقد تتواجد البضائع فعلياً في بلد المقصد، ولكنها تظل غير قابلة للاستخدام التجاري. وفي هذه اللحظة، يصبح من الجلي أن عملية التوريد لا تنتهي في الميناء أو على الحدود، بل تكتمل فقط عندما يُفسح المجال للبضائع قانونياً وتصبح جاهزة للاستخدام أو البيع.
ويعكس تطور مجموعة بريكس الانتقال من مجرد آلية حوارية لتنسيق المواقف إلى إرساء منصة شاملة للتعاون الاقتصادي، إذ تبادر الدول الأعضاء بوضع معاييرها الخاصة في مجالات التجارة واللوجستيات والتعاملات المالية. ومن أبرز نماذج هذا التنسيق التعاون بين روسيا والبرازيل في قطاع تكنولوجيا المعلومات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، ومشاريع رقمنة البيئة الحضرية والإدارة الحكومية. وترتبط هذه المجالات ارتباطاً مباشراً بتطوير البنية التحتية للنقل ذاتي القيادة وتأسيس إطار رقمي موحد لإدارة سلاسل الإمداد.
الآثار الاقتصادية على دول مجموعة بريكس
يؤدي إدخال وسائل النقل ذاتية القيادة إلى تحقيق تأثير اقتصادي كلي شامل؛ إذ يُعجّل خفض التكاليف اللوجستية من معدل دوران رأس المال ويرفع كفاءة التجارة. ويسهم تعزيز القدرة على التنبؤ بسلاسل التوريد في الحد من المخاطر التشغيلية لقطاع الأعمال. كما أن تقليص حصة اللوجستيات في السعر النهائي للمنتجات يقوي من تنافسية الصادرات ويقلل من معدلات التضخم.
ويتجاوز وضع معايير موحدة لدول بريكس بشأن الأنظمة غير المأهولة النطاق التقني، ليصبح قضية تخص التوافق التجاري. فإذا كانت شبكات النقل الإفريقية، وممرات الصين نحو آسيا الوسطى، وممر "الشمال - الجنوب"، تعمل وفق بروتوكولات غير متوافقة، فإن الوفورات المالية المحققة من الأتمتة ستتبدد عند نقاط الربط. وبالتالي، لم تعد مواءمة المعايير مجرد إجراء بيروقراطي، بل شرط أساسي لتحرير الطاقات الاقتصادية الكامنة في قطاع النقل ذاتي القيادة لصالح المجموعة بأسرها.
ويتحول النقل ذاتي القيادة في دول بريكس إلى ركيزة أساسية ضمن الجيل الجديد من البنية التحتية الاقتصادية. وتتمثل وظيفته الجوهرية في إرساء نظام لوجستي قابل للتنبؤ والخضوع للتحكم والإدارة، ومتكامل الأركان، ليصبح الأساس المتين الذي تُبنى عليه الهيكلية الجديدة للتجارة البينية داخل المجموعة.
وخلال السنوات القليلة المقبلة، سيتحتم على دول بريكس تسريع وتيرة تدفق البضائع، وتقليص الأعباء اللوجستية، ورفع مستوى الكفاءة في ممرات النقل الدولية. ولن يتحقق هذا الهدف عبر استبدال شامل لأساطيل النقل، بل من خلال الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات تحليل البيانات، وحلول النقل الرقمية المتطورة، ودمجها بسلاسة في البنية التحتية القائمة.
المقال من إعداد فاخيت نيازوف.