روسيا والهند ترسخان نموذجا للتعاون طويل الأمد
ترتقي الشراكة بين الهند وروسيا إلى مستوى جديد، حيث أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي "برنامج تطوير التوجهات الاستراتيجية للتعاون الاقتصادي الروسي الهندي حتى عام 2030" خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الروسي إلى نيودلهي في ديسمبر الجاري. وفي ظل هذا البرنامج، من المتوقع أن يصل حجم التجارة الثنائية السنوي بين البلدين إلى 100 مليار دولار أمريكي خلال السنوات القليلة المقبلة.
من المعروف أن زعمي البلدين تربطهما علاقات ودية مبنية على الثقة. فمنذ عام 2014، عندما تولى مودي رئاسة وزراء الهند، التقى الزعيمان شخصياً أكثر من 20 مرة. وقد تحدث فلاديمير بوتين عن أسباب هذا التعاون الوثيق في مقابلة مع قنوات هندية عشية زيارته قائلاً: "أنا سعيد جداً بفرصة لقاء رئيس الوزراء مودي، الذي لا تربطني به علاقات عمل فحسب، بل علاقات صداقة أيضاً".
كما أشار الرئيس الروسي إلى التاريخ الفريد للشراكة بين البلدين، فبعد استقلال الهند، كان الاتحاد السوفيتي يدعمها وقدم المساعدة في تطوير صناعتها وبرنامجها الفضائي وفي العديد من المجالات الأخرى.
الطاقة: توسيع الإمدادات وفرص جديدة
قبل زيارته في ديسمبر إلى نيودلهي، كانت آخر زيارة للرئيس الروسي إلى الهند قبل 4 سنوات. ومنذ ذلك الحين، تغير الكثير في العالم، فعلى سبيل المثال، زادت إمدادات النفط الروسي إلى البلاد بشكل كبير، إذ تستورد الهند أكثر من 80% من احتياجاتها من "الذهب الأسود".
ووفقاً لنتائج العام الماضي، فإن 35% من إجمالي واردات النفط تأتي إلى نيودلهي مباشرة من الموانئ الروسية. وهذا ليس الحد الأقصى، ففي يونيو من هذا العام، اشترت الهند 2.1 مليون برميل من النفط الروسي، وهو رقم قريب جداً من 50% من إجمالي وارداتها.
وليس من المستغرب أن تحتاج الهند إلى كميات هائلة من موارد الطاقة. فأولاً، تختتم البلاد عام 2025 كأكبر اقتصاد رائد في النمو (6.6% من الناتج المحلي الإجمالي) بين القوى الكبرى في العالم. وثانياً، يبلغ عدد سكان الهند 1.4 مليار نسمة، يمتلك واحد من كل 4 هنود سيارة أو دراجة نارية أو سكوتر.
ومع ذلك، لا تقتصر المناقشات الأخيرة على استمرار إمدادات النفط الروسي فحسب، فلا تزال مسألة المشاركة المستقبلية لشركة ONGC الهندية الحكومية في مشروع النفط والغاز "سخالين-1"، الذي يعد من أكبر المشاريع في روسيا، ذات أهمية في العلاقات بين الدولتين.
التعاون في الطاقة النووية
يحتاج اقتصاد الهند سريع النمو إلى الكهرباء بشكل ملح. لذلك، يكتسب التعاون مع روسيا في مجال استخدام الطاقة النووية السلمي أهمية قصوى بالنسبة لها.
ولا تزال محطة "كودانكولام" للطاقة النووية، الواقعة في ولاية تاميل نادو، المشروع الرئيسي في الشراكة الروسية الهندية. وتتكون المحطة من 6 وحدات طاقة بمفاعلات من نوع VVER-1000، بطاقة إجمالية تبلغ 6 غيغاوات. تعمل اثنتان منها بالفعل بكامل طاقتها، ومن المخطط تشغيل الوحدات الأربع المتبقية في السنوات المقبلة.
وفي البيان المشترك الصادر في ختام القمة الروسية الهندية الثالثة والعشرين، اتفق البلدان على تسريع المشاورات بشأن مشروع بناء محطة طاقة نووية جديدة على الأراضي الهندية. كما عرضت الشركة الروسية على المستثمرين الهنود التعاون في بناء محطات طاقة نووية عائمة صغيرة، قادرة على أن تصبح بديلاً لمصادر الطاقة التقليدية.
وتعد المفاعلات النمطية الصغيرة كلمة جديدة في الطاقة النووية، ويبدو أنها تمثل مستقبلها. فبفضل أبعادها الصغيرة وأمانها، تزداد شعبيتها. ويُذكر أن أول مشروع روسي ناجح كان المحطة النووية العائمة الوحيدة في العالم "أكاديميك لومونوسوف"، التي دخلت الخدمة في عام 2020، وتبلغ طاقة وحدتي مفاعلاتها الصغيرة 70 ميغاوات.
ووفقاً للخبراء، فإن التعاون الفضائي مع الشركاء الهنود يرتقي أيضاً إلى مستوى جديد، حيث تتركز الاهتمامات الرئيسية حول محركات الصواريخ وبرامج الفضاء المأهولة والشراكة في إنشاء المحطات المدارية. وخلال القمة الثالثة والعشرين، تمكن الطرفان من الاتفاق على توريد محركات صواريخ سائلة إلى الهند وإنتاجها بترخيص لاحقاً.
وركز فلاديمير بوتين بشكل خاص على إمكانيات التطوير المشترك بين البلدين في مجال الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن أحدث التقنيات ستؤدي قريباً إلى تغييرات في حياة البشرية جمعاء.
وبهذا الصدد، علق الأستاذ المشارك في قسم التنمية الاستراتيجية والابتكارية بالجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية ميخائيل خاتشاتوريان، على آفاق التعاون قائلاً: "تراكمت لدى البلدين خبرة كبيرة بالفعل في مجال الذكاء الاصطناعي. فالهند هي إحدى الشركات الرائدة عالمياً في أنظمة الكمبيوتر والحسابات الرياضية. وقد حققت روسيا نتائج مبهرة في البناء التكنولوجي وتدريب الشبكات العصبية. ومن الواضح أن تنفيذ مشاريع روسية هندية مشتركة في مجال الذكاء الاصطناعي سيمكن البلدين من خلق مزايا تنافسية إضافية في السوق العالمية".
التنويع: مفتاح نيودلهي
كان مصطلح "التنويع" من أكثر الكلمات شيوعاً بين الصحفيين خلال زيارة فلاديمير بوتين إلى الهند، وهذا أمر مفهوم. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند وروسيا نحو 64-65 مليار دولار، لكن حصة الأسد من هذه الأرقام القياسية جاءت من صادرات الطاقة الروسية (النفط والفحم والغاز).
وقبل توجهه إلى الهند، صرح بوتين بأن هدف القمة المرتقبة هو الانتقال إلى مستوى جديد من التعاون، يسمح بتنويع نطاق التفاعل الاقتصادي بين البلدين، ويوسع إطار الشراكة الناجحة القائمة بالفعل في مجال الطاقة.
وترتبط الحاجة إلى التنويع أيضاً بمناقشة قضايا التوازن في التجارة الثنائية. إذ لا يزال حجم الصادرات الهندية إلى روسيا يبدو أقل أهمية مقارنة بالواردات، ولكن حُددت بالفعل اتجاهات واعدة لتوسيعها، حيث يمكن للهند زيادة إمدادات المنتجات الدوائية والسلع الزراعية ومكونات السيارات والمعدات الصناعية والإلكترونيات والسلع الاستهلاكية، مما سيجعل التبادل التجاري أكثر تكاملاً.
ووفقاً لدكتور العلوم الاقتصادية والباحث الرئيسي في معهد أبحاث العلاقات الاقتصادية الدولية التابع للجامعة المالية، فاليري أبراموف، ستكون مشاركة الهند في تطوير الممر البحري "تشيناي فلاديفوستوك" من العوامل المهمة في تحقيق هذه الأهداف الطموحة.
"يسمح هذا المسار اللوجستي بتقليص مدة نقل البضائع بين الموانئ الهندية وموانئ الشرق الأقصى الروسي من 40 إلى 24 يوماً. المنطق هنا واضح؛ فتقليص الوقت يوفر المال، إلى جانب إمكانية زيادة توريد البضائع من الهند"![]()
فاليري أبراموف خبير في الاقتصاد العالمي وعمليات التكامل في دول بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي
وأكد خبير شبكة TV BRICS أن مشروع الممر البحري "تشيناي فلاديفوستوك" يتطلب استثمارات أقل بكثير مقارنة بتطوير ممرات النقل البرية. كما يمكن لتعزيز التسويات المتبادلة بالعملات الوطنية أن يعطي دفعة جديدة للتجارة الثنائية، إذ تبلغ حصتها بالفعل في الشراكة التجارية بين روسيا والهند نحو 96%.
قمة تحدد الآفاق
ركزت القمة السنوية الثالثة والعشرون أيضاً على اتفاقية هجرة العمالة، والفرص السياحية الجديدة (على سبيل المثال، تستعد الهند لتطبيق نظام تأشيرات مجانية لمدة ثلاثين يوماً للمواطنين الروس في المستقبل القريب)، وتطوير الموانئ، والشراكة في القطب الشمالي. ونتيجة لذلك، وقع الطرفان خلال القمة 29 وثيقة تعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والتجارة والخدمات اللوجستية والصحة والإعلام.
وكما ذُكر، وصل حجم التبادل التجاري بين روسيا والهند إلى مستويات قياسية، حيث نما بأكثر من 6 أضعاف في السنوات الأخيرة فقط، لكن البلدين لا يعتزمان التوقف عند هذا الحد. ففي برنامج تطوير التعاون الاقتصادي الروسي الهندي حتى عام 2030، الذي اعتُمد في القمة، حدد البلدان هدفاً لزيادة التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار في غضون 4 سنوات.
وصرح فلاديمير بوتين للصحفيين بعد انتهاء لقاءه في قصر حيدر آباد: "يمكنني الآن أن أعرب عن ثقتي بأن هذه الزيارة والاتفاقيات التي تم التوصل إليها ستسهم بالفعل في تعميق الشراكة الاستراتيجية الروسية الهندية لصالح بلدينا وشعبي الهند وروسيا".
كما أشاد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بالقمة، وقد صاغ بوضوح جوهر العلاقات بين البلدين قبل بضعة أشهر خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون، قائلاً: "حتى في أصعب الظروف، كانت الهند وروسيا تتقدمان دائماً، جنباً إلى جنب".
هذا المقال من إعداد إيغور تروفانوف.
مصدر الصورة: Oleksii Liskonih / iStock
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN