تقنيات الزراعة المستقبلية: أتمتة القطاع الزراعي في دول الجنوب العالمي
كيف تغيّر الرقمنة والذكاء الاصطناعي السوق الزراعية العالمية؟ ومن سيتحكم في البنية التحتية الجديدة للقطاع الزراعي: منتجو الغذاء أم مالكو البيانات والمنصات الرقمية؟ اقرأوا التفاصيل في مادة TV BRICS.
تتحول الزراعة إلى أحد أبرز مجالات التحول التكنولوجي في دول الجنوب العالمي، في ظل النمو السكاني، وتغير المناخ، ومحدودية الموارد الطبيعية، والحاجة المتزايدة إلى رفع كفاءة الإنتاج. وتسهم التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والأنظمة المؤتمتة في زيادة الإنتاجية، وترشيد استخدام الموارد، وتحسين إدارة الإنتاج الزراعي.
وفي يونيو 2026، استضافت الهند اجتماع وزراء الزراعة في دول بريكس، بوصفه إحدى المنصات الدولية الرئيسية التي تناقش ملامح النظام الغذائي العالمي في المستقبل. وشملت أجندة الاجتماع قضايا الأمن الغذائي، والزراعة القادرة على التكيف مع المناخ، والزراعة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والروبوتات، والابتكارات التكنولوجية في القطاع الزراعي.
ووفقًا لبيانات الحكومة الهندية، تستحوذ دول بريكس على نحو 42% من الأراضي الزراعية في العالم. وفي هذا السياق، لم تعد الرقمنة مجرد عنصر من عناصر التحديث المحدود، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل سوق الغذاء العالمية.

مصدر الصورة: PRASANNAPiX / iStock
غير أن الانتقال إلى نموذج جديد للإنتاج الزراعي لا يرتبط بالطموحات التكنولوجية وحدها، بل تفرضه أيضًا الضغوط الهيكلية المتزايدة على الزراعة التقليدية. فالنمو السكاني يزيد العبء على النظم الغذائية، في حين تحدّ ندرة المياه والأراضي والموارد الإنتاجية من إمكانات التوسع الأفقي في الإنتاج.
وتُعد التغيرات المناخية عاملًا إضافيًا يزيد تعقيد المشهد الزراعي. فارتفاع وتيرة الجفاف والفيضانات والظواهر الحرارية المتطرفة يجعل الإنتاجية الزراعية أقل قابلية للتنبؤ، ويزيد تقلبات الأسواق الزراعية. وفي كثير من المناطق، باتت الظواهر المناخية المتطرفة تحدث بوتيرة أكبر، ما يتطلب اعتماد مقاربات جديدة في إدارة القطاع الزراعي.
وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى نشوء فجوة بين الإمكانات الفعلية للزراعة التقليدية وبنية الطلب العالمي. لذلك، يجري استكمال نماذج التنمية التقليدية تدريجيًا بحلول تكنولوجية تتيح استخدام الموارد المتاحة بكفاءة أكبر. وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد التحول التكنولوجي في الزراعة مجرد أداة للتحديث، بل أصبح أحد الشروط الأساسية للحفاظ على الاستقرار الغذائي وتعزيز قدرة الدول على مواجهة التحديات المستقبلية.
الرقمنة بوصفها بنية تحتية للاقتصاد الزراعي
تشكل الرقمنة طبقة أساسية في البنية التحتية لتحول القطاع الزراعي، إذ أصبحت البيانات موردًا إنتاجيًا مستقلًا. فالمعلومات المتعلقة بالتربة والمناخ والرطوبة والإنتاجية والخدمات اللوجستية باتت أساسًا لاتخاذ القرارات في المجال الزراعي. وبفضل هذا التحول، ينتقل القطاع الزراعي تدريجيًا من نموذج قائم على الخبرة العملية والملاحظة إلى نظام إدارة يعتمد على التحليل والتنبؤ. كما أصبحت الخدمات الرقمية والتحليلات عنصرًا مهمًا في خلق القيمة المضافة، إلى جانب الإنتاج التقليدي.
وفي هذا السياق، يشير ميخائيل خاتشاتوريان، الحاصل على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية والأستاذ المحاضر في قسم التطوير الاستراتيجي والابتكاري بالجامعة المالية الحكومية الروسية، إلى أن الرقمنة تغيّر تدريجيًا بنية تكوين القيمة المضافة في القطاع الزراعي.
"تتيح أنظمة إنترنت الأشياء وأجهزة الاستشعار التحكم بشكل أكثر دقة في استخدام المياه والأسمدة، ما يقلل التكاليف ويرفع الإنتاجية. وهذا يزيد القيمة المضافة بفضل الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد"![]()
ميخائيل خاتشاتوريان الخبير في اقتصاد دول بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ورابطة آسيان
ووفقًا له، فإن المنصات الرقمية تُحدث أيضًا تحولًا في الخدمات اللوجستية والبنية التحتية المالية للزراعة.
وتشمل الاستراتيجيات الوطنية للدول الرائدة في بريكس إنشاء بنية تحتية رقمية للزراعة، باعتبارها عنصرًا من عناصر الاستدامة الاقتصادية والغذائية. وتنص خطة الصين لتطوير الزراعة الذكية، الممتدة حتى عام 2028، على إنشاء منصة وطنية للبيانات الضخمة، وخريطة موحدة للأراضي الزراعية، وتطوير نماذج أساسية للذكاء الاصطناعي بملكية فكرية مستقلة. وبهذه الطريقة، تتشكل منظومة مركزية للإدارة الرقمية للقطاع الزراعي.
وفي إطار مهمة الزراعة الرقمية "Digital Agriculture Mission"، تطور الهند منصة "AgriStack"، وهي منظومة تضم معرفات رقمية للمزارعين، وسجلات رقمية للأراضي، ورصدًا جغرافيًا مكانيًا للزراعة. وتشير البيانات الصادرة عن الحكومة الهندية إلى أن هذه المنظومة ينبغي أن تدمج البيانات المتعلقة بالأراضي والإنتاجية والائتمان والتأمين في بنية رقمية موحدة للقطاع الزراعي.
وبالتوازي مع ذلك، تدمج دول بريكس الأدوات الرقمية في آليات التأمين الزراعي وإدارة المخاطر. ففي الهند، تستخدم البرامج الحكومية بيانات الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وتقنيات الاستشعار عن بُعد لتقييم الأضرار، ومراقبة حالة المحاصيل، وتسريع صرف التعويضات التأمينية.
ونتيجة لذلك، تتحول البنية التحتية الرقمية تدريجيًا من عنصر مساعد إلى أساس منظومي للاقتصاد الزراعي.

مصدر الصورة: Фото: Crovik Media / iStock
الأتمتة بوصفها انتقالًا إلى الإدارة الخوارزمية في القطاع الزراعي
إذا كانت البنية التحتية الرقمية تتيح جمع المعلومات ودمجها، فإن الأنظمة المؤتمتة تبدأ باستخدام هذه البيانات لتنسيق العمليات الإنتاجية في الوقت الفعلي. وتساعد الخوارزميات على تحسين توزيع الموارد، والتنبؤ بالإنتاجية، وأخذ المخاطر المناخية في الاعتبار، فضلًا عن رفع كفاءة القرارات الإنتاجية.
وتنقل تقنيات الزراعة الدقيقة القطاع الزراعي من نموذج يقوم على الاستجابة التفاعلية إلى منظومة تعتمد على المراقبة المستمرة والتنبؤ. وتتيح الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار وأنظمة الأقمار الصناعية إضافة الأسمدة بصورة تفاضلية، ومراقبة حالة التربة، والكشف السريع عن التهديدات المحتملة، بما يسهم في تقليل التكاليف والحد من الأثر البيئي.
وفي هذا السياق، يؤكد ميخائيل خاتشاتوريان أن "الروبوتات وأتمتة العمليات الزراعية تقللان تكاليف العمالة وتحدّان من احتمال وقوع الأخطاء، ما يزيد صافي أرباح المنتجين".
ويُعد نموذج الصين مثالًا عمليًا على هذا التحول، إذ يجري فيها إدخال جرارات وحصادات ذاتية القيادة، إلى جانب منصات رقمية للتحكم عن بُعد في الآلات الزراعية المخصصة للمزارع الصغيرة. ولا تُستخدم الأتمتة في الصين لزيادة الإنتاجية فحسب، بل أيضًا للتعويض عن النقص الهيكلي في اليد العاملة وتحسين قابلية إدارة الإنتاج الزراعي.
وتطبق جنوب أفريقيا نموذجًا يقوم على التجريب الأولي للتقنيات الزراعية ثم توسيع نطاق استخدامها. ويموّل قسم العلوم والتكنولوجيا والابتكار في جنوب أفريقيا (DSTI)، بالتعاون مع وكالة الابتكار التكنولوجي (TIA)، مشروع SASSAM، وهو اختصار لـ"النظام الجنوب أفريقي لمنظومات التحديث الزراعي" (South African System of Systems for Agricultural Modernisation). ويُعد المشروع منصة رقمية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل حالة التربة، والتنبؤ بالأحوال الجوية، والكشف عن الآفات.
وانطلق التشغيل التجريبي للمشروع في فبراير 2025 في مقاطعة الكاب الشرقية، وشمل 50 مزرعة. ومن المتوقع، خلال ثلاث سنوات، تكييف النظام ليتناسب مع أنواع مختلفة من المحاصيل الزراعية في جميع أنحاء البلاد.
وتطور دولة الإمارات نموذجًا للزراعة العمودية المؤتمتة، حيث تتيح خوارزميات التحكم في المناخ المحلي وإمدادات المياه توفير ما يصل إلى 95% من المياه مقارنة بالزراعة التقليدية. وتُعد مثل هذه الأنظمة مثالًا على كيفية مساهمة الأتمتة في تعويض القيود الطبيعية ونقص الأراضي الصالحة للزراعة.
ومن جهتها، تصف إلويزا كريستينا سيلفا فرنانديز، الخبيرة في المشهد الصناعي البرازيلي والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وخبيرة وكالة الشباب للطاقة في بريكس، هذه العملية قائلة: "لقد غيّرت تقنيات الأتمتة والزراعة الدقيقة القطاع الزراعي وطريقة معالجة الغذاء وتوزيعه. وفي دول بريكس والجنوب العالمي، ومع مراعاة الخصوصيات الإقليمية، مثل نقص المياه، وتفاقم أزمة المناخ، وتراجع اليد العاملة المتاحة، تسهم ابتكارات تكنولوجية مثل إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والروبوتات والصناعة الزراعية 4.0 في رفع إنتاجية النظم الزراعية واستدامتها، بما يلبي الاحتياجات المتزايدة لهذه الدول ويضمن كفاءة عمليات الإنتاج الغذائي على نطاق واسع".
ولا تقتصر الأتمتة تدريجيًا على تحويل الإنتاج الزراعي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى البنية التحتية اللوجستية للقطاع. إذ تعمل الخوارزميات على تحسين مسارات التوريد، والتنبؤ بالطلب، وإدارة المخزونات، بما يقلل فاقد الغذاء في مراحل التخزين والنقل.
ومع تعمق الأتمتة، يتغير أيضًا موقع المزارع نفسه. فبعد أن كان منتجًا مستقلًا يتخذ قراراته استنادًا إلى خبرته الخاصة، يتحول تدريجيًا إلى مشارك في منظومة منصاتية، حيث يجري تنسيق جزء كبير من العمليات الإنتاجية عبر أنظمة رقمية. ونتيجة لذلك، يندمج القطاع الزراعي بصورة متزايدة في بنية الإدارة الخوارزمية، حيث لم تعد القدرة التنافسية مرتبطة بالموارد والإنتاجية فقط، بل أيضًا بمستوى التكامل التكنولوجي.

مصدر الصورة: Scharfsinn86 / iStock
البنية التحتية المالية لأتمتة القطاع الزراعي
تندمج المنظومة المالية تدريجيًا في البنية التحتية الرقمية للقطاع الزراعي، في تحول يعيد رسم آليات تمويل النشاط الزراعي وتقييم مخاطره. فبعد أن كان الوصول إلى رأس المال يعتمد في السابق بصورة أساسية على مؤشرات تقليدية، مثل حجم المزرعة، وقاعدة الضمانات، والتاريخ الائتماني، بدأت البيانات ومستوى التكامل التكنولوجي يكتسبان أهمية محورية مع تطور الرقمنة.
وبات الإقراض الزراعي يعتمد بشكل متزايد على الملفات الرقمية للمزارع، التي تُشكَّل استنادًا إلى الرصد عبر الأقمار الصناعية، وأنظمة الاستشعار، والنماذج الخوارزمية لتقييم المخاطر. ويتيح ذلك للمؤسسات المالية تحليل الوضع المالي للمقترض، إلى جانب معايير الإنتاج الزراعي في زمن قريب من الوقت الفعلي، ما يسرّع عملية اتخاذ القرار ويخفض مستوى عدم اليقين.
وفي هذا السياق، تتيح نماذج التأمين البارامترية، التي تُفعَّل فيها المدفوعات التأمينية تلقائيًا عند تحقق ظروف مناخية محددة مسبقًا، مثل الجفاف أو الفيضانات أو الظواهر الحرارية المتطرفة، تقليل التكاليف الإدارية وتسريع حصول المزارعين على التعويضات. ونتيجة لذلك، أصبحت الأدوات الرقمية أحد العوامل التي تؤخذ في الاعتبار عند تقييم المزارع.
ويشير ميخائيل خاتشاتوريان إلى أن "تحليل البيانات الضخمة يساعد على اتخاذ قرارات أكثر استنادًا إلى الأدلة، ويحسّن إدارة المزرعة والتنبؤ بالطلب. وهذا يتيح للمزارعين التكيف مع تغيرات السوق وتحسين عملياتهم الإنتاجية".
ويشكّل بنك التنمية الجديد، الذي أنشأته دول بريكس عام 2014 لتعبئة الموارد لمشاريع البنية التحتية والمشاريع المستدامة في دول الجنوب العالمي، الإطار المؤسسي لهذا التحول. وفي استراتيجية البنك، تُعد البنية التحتية الرقمية، والزراعة المستدامة، وتحديث أنظمة الإنتاج من بين المجالات ذات الأولوية.
ويعمل بنك التنمية الجديد على تشكيل محفظة من المشاريع الموجهة نحو تعزيز القدرة على التكيف مع المناخ، وتطوير الخدمات اللوجستية الزراعية، وتحديث سلاسل الإنتاج، وإدخال المنصات الرقمية. وتعزز هذه المساندة للمشاريع التحتية ذات التوجه التكنولوجي دور بنك التنمية الجديد بوصفه إحدى الآليات المالية الرئيسية لتحول القطاع الزراعي في فضاء بريكس والجنوب العالمي.
نماذج التحول الرقمي في زراعة دول بريكس
تتبلور داخل مجموعة بريكس نماذج مختلفة للتحول الرقمي في القطاع الزراعي، تختلف من حيث درجة مشاركة الدولة، ودور رأس المال الخاص، والمقاربات المتبعة لتحقيق السيادة التكنولوجية. وتنسجم هذه النماذج مع أجندة الاجتماع الوزاري في الهند، حيث طُرحت الزراعة الرقمية والذكاء الاصطناعي بوصفهما من الموضوعات الرئيسية للمفاوضات.
وتُعد الصين المثال الأبرز على النموذج المركزي الذي تقوده الدولة. ويتمثل العنصر الرئيسي في هذا النموذج في السيطرة على البيانات وخوارزميات إدارة الإنتاج الزراعي. وفي إطار الاستراتيجية الوطنية، تعمل الصين على إنشاء منصة موحدة للبيانات الزراعية، وأنظمة لمراقبة الأراضي الزراعية، وحلول وطنية قائمة على الذكاء الاصطناعي ومخصصة للقطاع الزراعي. ونتيجة لذلك، تصبح الرقمنة جزءًا من استراتيجية أوسع للسيادة التكنولوجية، فيما تؤدي الدولة دورًا تنسيقيًا في تطوير البنية التحتية الرقمية.
أما الهند، فتطور نموذجًا شاملًا قائمًا على المنصات للتحول الرقمي، يتكيف مع بنية قطاعها الزراعي التي يغلب عليها وجود المزارع الصغيرة. وخلافًا للنهج المركزي في الصين، تركز الاستراتيجية الهندية على ربط المزارعين على نطاق واسع بالخدمات الرقمية والأدوات المالية والبنية التحتية للأسواق. وفي هذا السياق، تتحول الرقمنة إلى آلية لدمج ملايين المنتجين الصغار في منظومة اقتصادية موحدة.
وفي هذا الصدد، أكد ميخائيل خاتشاتوريان أن "النسبة المرتفعة من الأراضي المروية تتيح تطبيق أنظمة إدارة الموارد المائية بفعالية باستخدام إنترنت الأشياء وأجهزة الاستشعار. ويمتلك هذا النموذج إمكانات كبيرة للتوسع من خلال البرامج الوطنية لتحسين الري وخفض تكاليف الموارد المائية".

مصدر الصورة: Irina Romanova / iStock
وتبني البرازيل نموذجًا موجهًا نحو السوق لتطوير التقنيات الزراعية، يقوم على التفاعل بين الدولة والعلم والقطاع الخاص. ووفقًا لبيانات المؤسسة الحكومية "Embrapa"، تعمل في البلاد أكثر من ألفي شركة للتقنيات الزراعية، يستخدم 83% منها الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة الإنتاج. ويُظهر هذا النموذج نهجًا بديلًا، حيث تهيئ الدولة الظروف لتطوير بيئة الابتكار، من دون تركيز البنية التحتية الرقمية تحت إدارة مركزية مباشرة.
وتطبق جنوب إفريقيا نهجًا قائمًا على البحث العلمي في رقمنة القطاع الزراعي، بالاعتماد على معاهد بحثية حكومية والتوسع التدريجي في تطبيق الحلول التكنولوجية.
وفي روسيا، يتشكل نموذج هجين يستند فيه التحول الرقمي للمجمع الزراعي الصناعي إلى المركزية الحكومية والرهان على تطوير حلول رقمية وطنية. وبناءً على تكليف من رئيس الحكومة الروسية، من المقرر إنشاء منصة رقمية موحدة للمجمع الزراعي الصناعي في روسيا بحلول نهاية عام 2026، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبالتوازي مع ذلك، أقرت الحكومة آلية لتعويض ما يصل إلى 50% من تكاليف المشاريع العلمية والتكنولوجية المتكاملة، التي تشمل الانتقاء الوراثي، والبرمجيات، واقتناء المعدات عالية التقنية.
وخارج هذه النماذج، توجد مجموعة واسعة من الاستراتيجيات الوطنية. فبعض الدول تكيّف النهج المذكورة مع بنية اقتصاداتها، فيما تعمل دول أخرى على صياغة حلول هجينة تجمع بين التنظيم الحكومي وآليات السوق.
وشدد خاتشاتوريان على أن "السمات المشتركة للنماذج الأكثر استدامة تتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي، والتقنيات غير المأهولة لمراقبة الموارد وإدارتها، والمنصات الرقمية لتحسين الخدمات اللوجستية وإدارة سلاسل التوريد، إلى جانب الدعم الحكومي وتطوير الاستراتيجيات الوطنية للرقمنة".

مصدر الصورة: CandyRetriever / iStock
طيف نماذج بريكس+ في التحول الرقمي الزراعي
يعكس توسع مجموعة بريكس، بانضمام دول تمتلك أنظمة زراعية مختلفة جذريًا، تنوع المقاربات المتبعة في التحول الرقمي للقطاع الزراعي. وفي هذا الإطار، تتشكل نماذج متوازية تختلف من حيث دور الدولة، وهيكل الاستثمارات، ودرجة الاستقلالية التكنولوجية.
وتطور دولة الإمارات نموذجًا كثيف رأس المال، تسهم فيه الحلول التكنولوجية في تعويض القيود الطبيعية من خلال استثمارات حكومية واسعة النطاق. وقد دمجت الدولة تطوير التقنيات الزراعية في استراتيجية الأمن الغذائي، مع التركيز على رفع كفاءة استخدام المياه.
أما إثيوبيا، فتعمل على صياغة استراتيجية للتحول الرقمي في الزراعة، تستند إلى الشراكة الدولية وتعبئة الموارد الحكومية لإنشاء بنية تحتية رقمية أساسية للقطاع الزراعي. ويمثل هذا النهج نموذجًا للانطلاق الاستراتيجي، حيث تُطبق الحلول التكنولوجية على النظام الزراعي القائم، مع التعويل على أثر طويل الأمد في النمو المؤسسي والإنتاجي.
ومن جهتها، تبني إندونيسيا نموذجًا صناعيًا تكنولوجيًا للرقمنة، يستند إلى البرامج الحكومية. وتدعم وزارة الاتصالات والتقنيات الرقمية في إندونيسيا الأمن الغذائي الوطني من خلال برنامج "المزارع الرقمي"، الهادف إلى تحويل الزراعة باستخدام تقنيات إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي. وتتمثل الركيزة الأساسية لهذا النموذج في الحلول التكنولوجية المحلية التي تطورها الشركات الناشئة الوطنية، بما في ذلك أنظمة الزراعة الدقيقة التي تتيح خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتقليل تلوث المياه الناتج عن الإفراط في استخدام الأسمدة.
وبالتوازي مع ذلك، خصصت حكومة إندونيسيا 10 تريليونات روبية إندونيسية لتطوير الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وأنظمة الاستشعار بهدف رفع كفاءة القطاع الزراعي، وفقًا لما أوردته وكالة Antara. ونتيجة لذلك، يتشكل نموذج يرتبط فيه التطور التكنولوجي ليس فقط باستيراد الحلول، بل أيضًا ببناء عناصر من السيادة التكنولوجية.
وتعمل إيران على تطوير نموذج للاستقلالية التكنولوجية عبر حلول وطنية قائمة على الذكاء الاصطناعي في مجال الزراعة. فقد طور علماء إيرانيون نظامًا للذكاء الاصطناعي مخصصًا لرصد الأراضي الزراعية، يتيح متابعة حالة المحاصيل والتنبؤ بالإنتاجية استنادًا إلى المراقبة عن بُعد.
أما مصر، فتطبق نموذجًا شاملًا للتحول الرقمي في الزراعة. ويوفر المعهد القومي للاستشعار من البُعد وعلوم الفضاء (NARSS) قاعدة علمية وتكنولوجية لرصد الأراضي الزراعية وإدخال الأدوات التحليلية في القطاع الزراعي.
وفي هذا السياق، يحدد عابد أميري، ممثل BRICS Hub والخبير في التعاون الاقتصادي والتكنولوجي في إطار بريكس، عددًا من المجالات الرئيسية للتعاون التكنولوجي داخل المجموعة.
"تشمل هذه المجالات تبادل البيانات الزراعية، وتطوير نماذج مشتركة للذكاء الاصطناعي، وأنظمة التنبؤ بالإنتاجية وأمراض النباتات، وتقنيات إنترنت الأشياء، والطائرات الزراعية المسيّرة، والمنصات الآمنة لإدارة سلاسل التوريد. وتؤثر هذه المجالات مباشرة في الكفاءة والجودة وسرعة اتخاذ القرارات، كما يمكن أن تسهم في تقليص الفجوة التكنولوجية بين الدول الأعضاء في بريكس"![]()
عابد أميري الخبير في التعاون الاقتصادي والتكنولوجي في إطار بريكس، والتحول الرقمي، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال
التقنيات الزراعية خارج نطاق بريكس+: الجنوب العالمي
لا يقتصر التحول التكنولوجي في الزراعة على دول بريكس+، إذ تشهد دول أخرى في الجنوب العالمي عمليات مماثلة، أصبحت فيها الحلول الرقمية أداة رئيسية لمواجهة التحديات الهيكلية في القطاع الزراعي.
ففي كينيا، يقوم تطوير القطاع الزراعي الرقمي على منصات حكومية تستخدم بيانات الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار الأرضية للرصد الزراعي ودعم قرارات المزارعين. وتنفذ وزارة الزراعة منصة "Kenya Agricultural Observatory Platform" (KOAP)، التي تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار الأرضية لتزويد المزارعين بمعلومات عن الطقس، وحالة التربة، والمواعيد المثلى للبذر.
وتنفذ فيتنام البرنامج الوطني للتحول الرقمي، الذي ينص على تطوير الزراعة عالية التكنولوجيا باتجاه الزراعة الذكية والدقيقة، وزيادة حصة الزراعة الرقمية في الاقتصاد، وإنشاء منظومات بيانات قطاعية واسعة حول الأراضي والمحاصيل الزراعية وتربية الحيوانات والاستزراع السمكي، إلى جانب إنشاء شبكة من الأنظمة المتكاملة للرصد والمراقبة الجوية والأرضية للأنشطة الزراعية.
أما أوغندا، فتطبق برنامجًا للتحول الرقمي في الزراعة، ورد في الاستراتيجية الرسمية "E-Governance in Uganda-2025". ويتمثل العنصر الرئيسي في هذا البرنامج في منصة رقمية هي "e-Voucher System"، التي تتيح، عبر تطبيقات الهاتف المحمول، دعم وصول المزارعين إلى البذور والأسمدة عالية الجودة. وبالتوازي مع ذلك، يجري تطوير "National Agricultural Information System" (NAIS)، وهي منظومة رقمية تشمل وحدات لرصد المحاصيل، والتنبؤ بالإنتاجية، وتقييم الأمن الغذائي.
وتنفذ نيجيريا الاستراتيجية الوطنية للزراعة الرقمية، التي تنص على إدخال منصات رقمية تتيح للمزارعين الوصول إلى الأسواق وبيانات الطقس والخدمات المالية.
وتصف إلويزا كريستينا سيلفا فرنانديز، خبيرة وكالة الشباب للطاقة في بريكس، هذا التحول من منظور تاريخي، مؤكدة أن القطاع الزراعي يمر بمرحلة جديدة من التطور التكنولوجي.
"إذا كانت ابتكارات مثل الميكنة واستخدام الأسمدة الكيميائية قد اخترقت القطاع الأولي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فإننا نشهد في السياق الحالي تحولًا من نوع جديد، هذه المرة مع الصناعة الزراعية 4.0، وهي مجموعة من الابتكارات التكنولوجية القائمة على البيانات والأتمتة والاتصال"![]()
إلويزا كريستينا سيلفا فرنانديز الخبيرة في المشهد الصناعي البرازيلي والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة
وبحسب تقييمها، فإن "ظهور هذه الدورات التكنولوجية الجديدة وإدخال التقنيات الرقمية يعيدان تشكيل البنية الإنتاجية الوطنية للدول، ولا سيما دول الجنوب العالمي".
وفي الوقت نفسه، تشدد فرنانديز على أن العناصر الاستراتيجية في سلاسل القيمة العابرة للحدود، بما في ذلك نمو الطلب على المعادن الحيوية اللازمة لإنتاج التقنيات الجديدة، والحاجة إلى قوة عاملة عالية التأهيل، تتطلب اهتمامًا خاصًا بهندسة التصنيع الأخضر المستدام بيئيًا.
الخوارزميات والتحول المالي في القطاع الزراعي
مع تسارع رقمنة الزراعة، تكتسب الخوارزميات دورًا متزايد الأهمية في القطاع الزراعي، ليس فقط في إدارة الإنتاج، بل أيضًا في تطوير البنية التحتية المالية المرتبطة به. فقد أصبحت عمليات تقييم الإنتاجية، وتوزيع الموارد، واتخاذ قرارات الائتمان، وإدارة المخاطر تعتمد بصورة متنامية على معالجة البيانات الرقمية الواردة من أنظمة المراقبة عبر الأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار، والمنصات الرقمية.
وتندمج البنية التحتية المالية للزراعة داخل دول بريكس تدريجيًا في منظومة بيانات موحدة. وباتت عمليات الإقراض والتأمين وتقييم الملاءة المالية للمزارع تعتمد بشكل متزايد على الملفات الرقمية للمنتجين والمعالجة الخوارزمية للمعلومات، ما يعكس تحولًا أوسع في آليات تمويل النشاط الزراعي وتقدير مخاطره.
وفي هذا السياق، يطور بنك الاحتياطي الهندي (RBI) منصة مخصصة لتسريع إقراض المقترضين في المناطق الريفية وذوي الدخل المنخفض، من خلال إتاحة وصول موحد إلى البيانات الرقمية. وتقوم البنية التحتية الرقمية لهذه المنصة على استخدام البيانات المالية وغير المالية، بما في ذلك السجلات الرقمية للأراضي، والخدمات الجغرافية المكانية، وبيانات الأقمار الصناعية اللازمة لتقييم المقترضين وتوسيع الوصول إلى تمويل القطاع الزراعي.
ونتيجة لذلك، تنتقل التقنيات الزراعية داخل دول بريكس من فئة الابتكارات القطاعية إلى طبقة بنيوية في الاقتصاد الزراعي. وتصبح الخوارزميات والمنصات الرقمية جزءًا مدمجًا في المنظومة المالية والإنتاجية للزراعة، فيما بات الوصول إلى رأس المال يتحدد بشكل متزايد وفق مستوى التكامل الرقمي للمزارع.
وفي هذا الصدد، أكد ميخائيل خاتشاتوريان أن "المنصات الإلكترونية لتجارة المنتجات الزراعية تحسّن التنسيق بين المنتجين والمصنّعين والموزعين. وهذا يقلل تكاليف الخدمات اللوجستية ويحسّن الوصول إلى الأسواق، ما يزيد القيمة المضافة".
وتتحدد القدرة التنافسية في القطاع الزراعي بصورة متزايدة من خلال الجمع بين العوامل التقليدية، مثل الأراضي والموارد الإنتاجية، ومستوى تطبيق التقنيات الرقمية والخدمات التحليلية وأساليب الإدارة الحديثة.
وفي ظل هذه الظروف، تتحول البنية التكنولوجية تدريجيًا إلى أحد العناصر الرئيسية للسيادة الاقتصادية في القطاع الزراعي.

مصدر الصورة: AndreyPopov / iStock
هرمية جديدة في القطاع الزراعي العالمي
يشهد السوق الزراعي العالمي تشكُّل بنية جديدة، لم تعد فيها القدرة التنافسية مرتبطة فقط بحجم الموارد الأرضية وحجم الإنتاج، بل أصبحت تتحدد بصورة متزايدة بمستوى تطور التقنيات الرقمية، والأنظمة التحليلية، وبنية البيانات التحتية. وقد انعكس هذا التوجه في جدول أعمال الاجتماع الوزاري لدول بريكس في إندور، حيث جرى تحديد الزراعة الرقمية وتقنيات الزراعة الدقيقة ضمن المجالات الرئيسية للتعاون بين الدول الأعضاء.
وفي ظل هذه التحولات، يمكن التمييز بين ثلاثة نماذج لمشاركة الدول في التحول الرقمي للقطاع الزراعي. ويضم النموذج الأول الدول التي تطور منصاتها الرقمية وخوارزمياتها وحلولها التكنولوجية الخاصة لإدارة الزراعة.
ويرى ميخائيل خاتشاتوريان أن التحديث التكنولوجي يستحوذ على الحصة الرئيسية من القيمة المضافة، لأنه لا يتحكم في إنتاج المنتجات فحسب، بل أيضًا في البنية التحتية لاتخاذ القرارات. وقال الخبير: "يمكن للريادة التكنولوجية أن تعوض أوجه القصور في الإمكانات الطبيعية. فعلى سبيل المثال، يمكن للدول ذات الموارد المحدودة من الأراضي أن تصبح مصدّرة لمنتجات عالية الهامش، مثل الخضراوات المزروعة في المزارع العمودية، في حين ستتخصص الدول ذات المساحات الواسعة، ولكن من دون ابتكارات، في محاصيل منخفضة الهامش".
وتنتمي إلى المجموعة الثانية الدول التي تطبق بنشاط الحلول الرقمية الحديثة وتكيفها مع خصوصيات زراعتها الوطنية. ويتيح هذا النهج تسريع تحديث القطاع، ورفع الإنتاجية، وتكوين أساس لمواصلة تطوير الكفاءات التكنولوجية الوطنية.
أما المجموعة الثالثة، فتضم الدول التي لا تزال رقمنة القطاع الزراعي فيها في مرحلة أولية. وبالنسبة إلى هذه الدول، تتمثل الأولوية في تطوير البنية التحتية الرقمية الأساسية، وتوسيع الوصول إلى التقنيات الحديثة، وإعداد متخصصين قادرين على العمل باستخدام أدوات جديدة لإدارة الزراعة.
وبذلك، بات موقع الدولة في المنظومة الزراعية العالمية يتحدد بصورة متزايدة من خلال الجمع بين الموارد الطبيعية، ومستوى التطور التكنولوجي، والقدرة على استخدام الأدوات الرقمية بفعالية لتعزيز استدامة الزراعة وإنتاجيتها. وتصبح الأتمتة أحد عوامل القدرة التنافسية طويلة الأمد للقطاع الزراعي. ويفتح تطوير المنصات الرقمية، والخدمات السحابية، وأنظمة تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، آفاقًا جديدة لرفع كفاءة الإنتاج، وتحسين الخدمات اللوجستية، واستخدام الموارد الطبيعية بصورة أكثر عقلانية.
وفي هذا السياق، يشير عابد أميري إلى أن تطوير الكفاءات التكنولوجية الوطنية وتوسيع التعاون الدولي يؤديان دورًا مهمًا في هذه العملية. وقال أميري: "إن تطوير المنصات الرقمية الوطنية، والحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي، والمنظومات البيئية للتقنيات الزراعية، يمكن أن يعزز دور دول بريكس من مجرد مصدّرين للمواد الخام إلى لاعبين مؤثرين تكنولوجيًا في النظام الغذائي العالمي".
وبحسب تقييمه، فإنه "إذا تمكنت دول بريكس من تطوير منصاتها الخاصة في هذه المجالات، فلن يؤدي ذلك إلى زيادة إنتاجية الزراعة فحسب، بل سيعزز أيضًا قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة".
وفي الوقت نفسه، يتطلب التطور اللاحق للزراعة الرقمية توسيع التبادل الدولي للمعارف، والتطوير المشترك للتقنيات، وتشكيل بنية تحتية رقمية مفتوحة تراعي خصوصيات مختلف الأنظمة الزراعية الوطنية.
ويمكن أن يصبح الجمع بين الابتكار والشراكة وتبادل الخبرات أحد الشروط الرئيسية للتنمية المستدامة للزراعة في دول الجنوب العالمي.
المقال من إعداد فاخيت نيازوف.
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN