تطور صناعة الأدوية في الهند وتصدير المنتجات الدوائية
لماذا أصبحت الصناعة الدوائية عنصرًا من عناصر البنية التحتية الاستراتيجية، على غرار الطاقة والنقل والتقنيات الرقمية؟ وكيف يمكن لدول بريكس وبريكس+ الاستفادة من التجربة الهندية لتشكيل منظومة مشتركة للسيادة الدوائية؟ اقرأوا التفاصيل في مادة TV BRICS.
الأدوية كجزء من البنية التحتية الاستراتيجية للاقتصاد العالمي
أظهرت جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) أن قطاع الصناعات الدوائية لم يعد مجرد جزء من منظومة الرعاية الصحية، بل أصبح عنصرًا استراتيجيًا في الاقتصاد العالمي، إلى جانب قطاعات الطاقة والنقل والتكنولوجيا الرقمية.
وأثبتت الجائحة أن توفر الأدوية واللقاحات والمكونات الطبية يمثل عاملًا مؤثرًا بشكل مباشر في الاستقرار الاقتصادي للدول، ومستويات التضخم، واستدامة الموازنات العامة، حيث أصبح الوصول إلى المنتجات الطبية يُنظر إليه باعتباره جزءًا من البنية التحتية الاقتصادية للدول، وليس مجرد منتج نهائي ضمن منظومة الخدمات الصحية.
وشكلت جائحة كورونا أكبر أزمة اجتماعية واقتصادية خلال السنوات الأخيرة، ما دفع الدول إلى إعادة صياغة سياساتها في مجالات الصحة والاقتصاد والصناعة، والبحث عن نماذج أكثر استدامة لضمان أمن الإمدادات الطبية.
وأظهرت فترة الجائحة أن اضطرابات سلاسل توريد الأدوية يمكن أن تؤدي إلى خسائر اقتصادية واسعة النطاق، قد تكون مماثلة في تأثيرها لتداعيات أزمات الطاقة.
ووفقًا لتقديرات اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، فإن اضطرابات إمدادات المنتجات الطبية خلال عامي 2020 و2021 كانت ذات طابع إقليمي واسع، وأثرت في أنظمة الرعاية الصحية لدول المنطقة التي يبلغ إجمالي عدد سكانها نحو 650 مليون شخص.
كما أكدت بيانات المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها حجم التحديات التي تواجهها دول القارة في مجال تأمين الإمدادات الدوائية. ووفقًا لبيانات اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لإفريقيا، تعتمد معظم الدول الإفريقية على الاستيراد الخارجي لتوفير الأدوية، حيث تحصل على ما يصل إلى 94% من احتياجاتها الدوائية من خارج القارة.
وأدت التحولات التي فرضتها الجائحة إلى تغيير جوهري في النظرة الاقتصادية إلى قطاع الأدوية، إذ لم تعد المنتجات الدوائية مجرد مجال مرتبط بالسياسة الاجتماعية، بل أصبحت جزءًا من الاستراتيجية الصناعية، والتخطيط الاستثماري، ومنظومة الأمن الاقتصادي للدول. وأصبح تطوير القدرات المحلية في مجال تصنيع الأدوية ذا أهمية استراتيجية تضاهي تطوير قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية الرقمية، في وقت يؤثر فيه توفر الأدوية بشكل مباشر على معدلات التضخم والاستقرار الاجتماعي، كما هو الحال بالنسبة إلى أسواق المواد الخام والقطاعات الاقتصادية الأساسية.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت قضايا توفير الأدوية للسكان، وتطوير اللقاحات، وتعزيز التقنيات الطبية من ملفات صحية واجتماعية فقط إلى عوامل مرتبطة بقدرة الدول على تحقيق الاستقرار والصمود في مواجهة الأزمات. وأكدت التجربة العالمية أن الاستثمار في البحث والتطوير، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات العلمية والقطاع الخاص، يمثل عنصرًا أساسيًا لضمان استدامة قطاع الصناعات الدوائية، ودعم التعافي الاقتصادي، وتحسين القدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

مصدر الصورة: Rawpixel / iStock
قطاع الصناعات الدوائية في الهند كمنتج تصديري
أصبحت الهند واحدة من أبرز مراكز صناعة الأدوية عالميًا، بفضل تطوير منظومة دوائية متكاملة تجمع بين البحث العلمي والإنتاج الصناعي والتكنولوجيا والاستثمارات الخاصة، ما عزز مكانتها كمنتج رئيسي للأدوية الجنيسة واللقاحات في الأسواق الدولية.
ويضم قطاع الصناعات الدوائية الهندي أكثر من 3 آلاف شركة وما يزيد على 10 آلاف منشأة إنتاجية، حصل جزء كبير منها على شهادات اعتماد وفق المعايير الدولية للممارسات التصنيعية الجيدة (GMP).
وخلال السنة المالية 2023–2024، تجاوزت صادرات الهند من المنتجات الدوائية 26 مليار دولار أمريكي. كما توفر البلاد نحو 20% من الإنتاج العالمي للأدوية الجنيسة، إضافة إلى مساهمة كبيرة في صناعة اللقاحات عالميًا. ويُعد معهد الأمصال الهندي في مدينة بونه أحد أكبر منتجي اللقاحات في العالم من حيث حجم الإمدادات، حيث يؤدي دورًا بارزًا في تلبية الطلب العالمي على اللقاحات.
تكمن الميزة التنافسية الرئيسية للهند في قدرتها على بناء منظومة صناعية مترابطة تجمع بين البحث والتطوير، والصناعة الكيميائية، وتأهيل الكوادر البشرية، والقدرات الإنتاجية، والسياسات الحكومية، والاستثمارات الخاصة.
ويختلف هذا النموذج عن الهياكل الصناعية المجزأة في بعض الاقتصادات النامية الأخرى، إذ يعتمد على مفهوم صناعة علوم الحياة (Life Sciences Industry)، وهي منظومة متكاملة تتطور فيها صناعة الأدوية، والتكنولوجيا الحيوية، والتقنيات الطبية، بالتوازي مع المؤسسات الجامعية والبيئات السريرية. وجاء تطور هذه المنظومة نتيجة مجموعة من العوامل الهيكلية، إذ لم تعتمد الميزة التنافسية للهند على انخفاض تكلفة العمالة فقط، بل على أربعة عناصر أساسية أسهمت في بناء قطاع دوائي قوي.
وشكلت الخبرة المتقدمة في مجال التخليق الكيميائي قاعدة علمية وتقنية لصناعة الأدوية، فيما أصبح القطاع الكيميائي الهندي، الذي تطور تاريخيًا حول إنتاج الأصباغ والمركبات العضوية، أساسًا صناعيًا مهمًا من خلال توفير المواد الأولية والمنتجات الوسيطة اللازمة للإنتاج الدوائي. كما ساعد انتشار المجمعات الصناعية الدوائية في الهند على خفض التكاليف اللوجستية وتعزيز تبادل المعرفة والخبرات، بينما أسهمت البيئة التنظيمية الناطقة باللغة الإنجليزية في تسهيل دخول الشركات الهندية إلى الأسواق العالمية.
وفي الوقت نفسه، وفر النظام القانوني توازنًا بين حماية حقوق الملكية الفكرية وتطوير صناعة الأدوية الجنيسة، ما أتاح مجالًا للمنافسة القانونية ونمو الشركات المحلية. ولعب القطاع الخاص دورًا مهمًا في هذا التطور، حيث تحولت شركات الأدوية الهندية من شركات عائلية إلى مؤسسات عالمية، مع احتفاظها بالمرونة الريادية والقدرة على توسيع الإنتاج بسرعة لمواكبة الطلب المتزايد. ومع ذلك، لم تتشكل هذه المزايا بشكل تلقائي، بل جاءت نتيجة سلسلة من الإصلاحات المؤسسية التي أعادت تشكيل قطاع الأدوية الهندي ووفرت الظروف اللازمة لنمو المنتجين المحليين.
وكان اعتماد قانون براءات الاختراع لعام 1970 نقطة تحول رئيسية في مسار الصناعة الدوائية الهندية. وقبل تطبيق القانون، كانت الشركات متعددة الجنسيات الكبرى تسيطر على نحو 75–80% من السوق المحلية، ما حدّ من قدرة الشركات الهندية على التطور والمنافسة.
وفي هذا السياق، قالت مانسي كوماري، الخبيرة في مجال الدراسات الدولية والجغرافيا السياسية، وأبحاث بريكس والسياسة الخارجية ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، والأستاذة المحاضرة ومنسقة مركز أبحاث بريكس في جامعة أميتي بولاية هاريانا، إن تعديل تشريعات براءات الاختراع ساهم في توفير الظروف اللازمة لتشكيل صناعة دوائية وطنية مستقلة.
لم يكن تعديل تشريعات براءات الاختراع العامل الوحيد وراء تطور قطاع الصناعات الدوائية في الهند، إذ رافق ذلك سلسلة من الإصلاحات التي هدفت إلى تغيير بيئة السوق وتعزيز دور الشركات الوطنية. وبعد تطبيق إصلاحات براءات الاختراع، بدأت الحكومة الهندية تدريجيًا في توسيع الفرص أمام نمو القطاع المحلي. ففي عام 1973، أسهمت القيود المفروضة على حصة رأس المال الأجنبي في توفير مساحة أكبر لتطور الشركات الهندية وتعزيز قدرتها على المنافسة.
ووفقًا للخبيرة كوماري، أجرت الهند عام 2005 تعديلات على عدد من القوانين، ما أتاح استمرار تطوير صناعة الأدوية الجنيسة حتى بعد عودة نظام براءات الاختراع. وشكل حجم السوق الهندية المحلية، التي تعد الأكبر عالميًا من حيث عدد السكان، أحد العوامل المهمة في نجاح قطاع الأدوية. فقد ساعد الطلب الداخلي الواسع الشركات المنتجة على تحقيق اقتصاديات الحجم، وخفض متوسط تكاليف الإنتاج، ومن ثم تعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية.
واتبعت الحكومة الهندية سياسة داعمة للقطاع الدوائي، حيث زادت خلال السنة المالية 2024–2025 تمويلها للصناعة الدوائية بنسبة 29.4% ليصل إلى 9.3 مليار روبية هندية. ويشهد قطاع الأدوية الهندي حاليًا تحولًا تدريجيًا من التركيز على إنتاج الأدوية الجنيسة منخفضة الهامش الربحي إلى تطوير منتجات أكثر تعقيدًا، تشمل الأدوية الحيوية المماثلة (Biosimilars) والأدوية المتخصصة. ومع ذلك، لم يكن الدعم المالي سوى عنصر واحد ضمن هذه الاستراتيجية. فقد لعب إنشاء المؤسسات التي ضمنت تطور القطاع على مدى عقود دورًا لا يقل أهمية، من خلال الجمع بين تنظيم الأسعار، والسياسة الصناعية، وإعداد الكوادر البشرية.
كما تمكنت دول مجموعة بريكس، بما فيها الهند والصين والبرازيل ومصر، من إنشاء مدارس علمية ومجمعات إنتاجية قادرة في بعض الحالات على تعديل جزيئات دوائية معروفة وتكييفها لتلبية احتياجات أنظمة الرعاية الصحية الوطنية.
ولم تتوقف الإصلاحات عند الجانب التشريعي، بل انتقلت إلى مرحلة بناء سياسة حكومية طويلة الأمد تجمع بين تنظيم الأسعار، وتطوير الشركات الحكومية، ودعم المنتجين المحليين.
وفي هذا السياق، قالت الخبيرة مانسي كوماري: "أسهمت الشركات الحكومية في إنشاء البنية التحتية التقنية الأساسية، وإعداد مهندسي الكيمياء، ووضع الأسس اللازمة لإنتاج المكونات الدوائية الفعالة. وتم إنشاء إدارة الصناعات الدوائية عام 2008 داخل وزارة الصناعات الكيميائية والأسمدة، بهدف استبدال الرقابة الحكومية المجزأة بسياسة دوائية مركزية تشمل الإشراف التنظيمي ودعم تطوير القطاع".
وإلى جانب الحوافز المالية، واصلت الهند الاستثمار في البنية التحتية العلمية والتكنولوجية، التي شكلت عنصرًا أساسيًا في توسيع نطاق إنتاج الأدوية وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة.
وأوضحت مانسي كوماري أن المؤسسات التقنية الحكومية، مثل مختبرات مجلس البحث العلمي والصناعي (CSIR)، وساعدت في سد الفجوات التكنولوجية من خلال تطوير طرق منخفضة التكلفة للتخليق الكيميائي يمكن للشركات المحلية استخدامها.

مصدر الصورة: Totojang / iStock
توطين الإنتاج كركيزة للأمن الدوائي
شكلت فترة جائحة كورونا (كوفيد-19) اختبارًا حقيقيًا لسلسلة الإمداد الدوائي العالمية بأكملها. ففي ظل القيود التي فرضتها الجائحة، ظهرت اضطرابات في توريد المكونات الأساسية للأدوية، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتأخر طرح المستحضرات الدوائية الجاهزة. ولم يتمثل الخطر الرئيسي فقط في الاعتماد على الواردات، بل أيضًا في التركيز المرتفع لموردي المواد الخام الحيوية خارج نطاق الولاية القضائية الوطنة.
واستجابة لهذه التحديات، أطلقت الحكومة الهندية سياسة صناعية جديدة تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي للمواد الدوائية الفعالة، من خلال تقديم دعم مالي وإنشاء مناطق صناعية متخصصة. وشكل بناء قاعدة إنتاجية وطنية قائمة على الابتكار المرحلة التالية في تطوير القطاع، حيث ركزت أدوات الدعم الحكومية الحديثة على تعزيز القدرات المحلية وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في مجال الصناعات الدوائية.
وفي هذا الصدد، أشارت الخبيرة الهندية مانسي كوماري إلى أن برامج تحفيز الإنتاج أصبحت سياسة حكومية مهمة أخرى تهدف إلى دعم مشروع "صنع في الهند". وقالت الخبيرة: "في إطار برنامج PLI 1.0، تم تخصيص 69.4 مليار روبية هندية لتقليل الاعتماد على الواردات من الصين، من خلال دعم الإنتاج المحلي للأدوية الأساسية والمكونات الدوائية الفعالة. أما في إطار برنامج PLI 2.0، فقد تم تخصيص 150 مليار روبية هندية لتحفيز إنتاج المنتجات ذات القيمة العالية، مثل الأدوية الجنيسة المعقدة، والأدوية الحيوية المماثلة، والعلاج الجيني، والأجهزة الطبية".
وفي عام 2023، أطلقت الهند برنامج PRIP، الذي خصصت له 50 مليار روبية هندية بهدف تطوير التعاون بين القطاع الصناعي والأوساط الأكاديمية، ودعم البحث والتطوير (R&D) والتجارب السريرية الخاصة بأساليب العلاج المبتكرة.
كما أطلقت الحكومة برنامجًا لإنشاء حدائق إنتاج للأدوية الأساسية في ولايات غوجارات وأندرا براديش وهيماشال براديش. ويعد برنامج حوافز الإنتاج المرتبطة بالإنتاج (Production Linked Incentive – PLI) لقطاع الصناعات الدوائية أحد الأدوات الرئيسية لدعم تطوير المجمعات الكيميائية وتوطين إنتاج المواد الدوائية الفعالة، حيث يبلغ إجمالي حجم الدعم المخصص ضمن هذا البرنامج نحو 2 مليار دولار أمريكي.
وأصبحت هذه الإجراءات جزءًا من اتجاه عالمي جديد، إذ بدأت الدول التي تعتمد على استيراد المكونات الدوائية الفعالة بعد جائحة كوفيد-19 في تقديم حوافز ودعم مالي لإعادة إنتاج هذه المواد داخل أراضيها. وتسهم هذه السياسة في تشكيل هيكل صناعي جديد لا يركز فقط على تصنيع الأدوية النهائية، بل يهدف أيضًا إلى توطين المراحل الحيوية من عمليات التخليق الكيميائي المرتبطة بإنتاج المكونات الدوائية الأساسية. وأصبحت هذه القضية بالنسبة إلى دول بريكس مثالًا ذا أهمية استراتيجية، إذ إن مواطن الضعف في النموذج الهندي لا تلغي ريادة البلاد، بل تفسر سبب استثماراتها النشطة في تطوير مستوى جديد من السيادة الصناعية.
وتتمثل الخلاصة الأساسية لجميع الدول التي تعمل على بناء منظومة للأمن الدوائي في أن استدامة القطاع الدوائي لا يمكن تحقيقها دون تنويع مصادر إنتاج المكونات الفعالة، وتوزيع الحلقات الحيوية في سلسلة الإمداد بين عدة دول ومناطق قانونية مختلفة. وهنا تظهر فرص جديدة للتعاون داخل مجموعة بريكس، إذ تمتلك البرازيل خبرات واسعة في مجال البحوث الحيوية وتطوير اللقاحات، كما تتمتع منظومة الرعاية الصحية في جنوب إفريقيا بخبرة كبيرة في مجال المراقبة الوبائية والدراسات السريرية. أما دول الخليج العربي المنضمة إلى صيغة بريكس+، فتعمل على بناء موارد مالية مستقرة يمكن توجيهها نحو الاستثمار في مشروعات البنية التحتية والإنتاج الدوائي.
ويمكن أن يؤدي الجمع بين هذه القدرات إلى الانتقال من الاستراتيجيات الدوائية الوطنية المنفردة إلى منصات صناعية مشتركة بين الدول، يتم فيها توزيع المخاطر وتكامل الخبرات والقدرات العلمية والإنتاجية. وتجعل هشاشة بعض النماذج الوطنية أمام اضطرابات سلاسل الإمداد التعاون داخل بريكس أكثر أهمية، خاصة مع امتلاك الدول الأعضاء إمكانات إنتاجية وعلمية متكاملة يمكن أن تعزز بناء منظومة دوائية أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
الصناعات الدوائية في بريكس+
تختلف مستويات توفير الأدوية في دول الجنوب العالمي، إلا أن قطاع الصناعات الدوائية في دول بريكس يشهد نموًا متسارعًا، مع تركيز مشترك على تطوير اللقاحات المتقدمة. وتركز هذه الدول بشكل واسع على تحقيق السيادة الدوائية، حيث تعمل على بناء سلاسل إنتاج مستقلة وإطلاق مبادرات علمية مشتركة.
وتعد الهند أحد أبرز مراكز الصناعة الدوائية عالميًا، إذ تعتبر أكبر منتج ومورد للأدوية الجنيسة، حيث توفر نحو 20% من الإمدادات العالمية من هذه الأدوية. كما تحتل البلاد موقعًا رياديًا في إنتاج اللقاحات، إذ تسهم الشركات الهندية بنحو 60% من إمدادات اللقاحات لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).
أما الصين، فتمتلك أكبر القدرات الإنتاجية في مجال تصنيع اللقاحات الجاهزة، إلى جانب استثمارات واسعة في مجال البحث والتطوير (R&D) لتطوير أدوية من الجيل الجديد لمواجهة أمراض مثل الإنفلونزا والسل وحمى الضنك.
وفي روسيا، تطورت مدرسة علمية قوية في مجالات علم الفيروسات وعلم الأوبئة. ومنذ عام 2014، تنفذ البلاد برامج لدعم قطاع الصناعات الدوائية، بينما اعتمدت عام 2023 استراتيجية "فارما-2030"، التي تهدف إلى رفع حصة الأدوية المنتجة محليًا بدورة تصنيع كاملة في السوق الروسية إلى نحو 70% بحلول نهاية العقد الحالي.
وتواصل البرازيل تطوير قطاع الصناعات الدوائية الحيوية، مع التركيز على مكافحة الأمراض المدارية. وتغطي البلاد بشكل كامل احتياجاتها من المستحضرات المناعية والبيولوجية الأساسية، كما تنفذ برامج واسعة للتطعيم المجاني.
ويعد قطاع الصناعات الدوائية في الإمارات العربية المتحدة من أسرع القطاعات نموًا في منطقة الشرق الأوسط، حيث أصبحت الدولة مركزًا إقليميًا مهمًا يعتمد على معايير صارمة لمراقبة الجودة، ويوفر إمكانية الوصول إلى أحدث التطورات الدوائية.
كما تحتل مصر مكانة بارزة في قطاع الصناعات الدوائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تغطي نحو 90% من احتياجاتها المحلية من الأدوية. ووفقًا للاستراتيجية الوطنية لتوطين إنتاج اللقاحات حتى عام 2030، تهدف مصر إلى الوصول إلى إنتاج سنوي يبلغ 140 مليون جرعة لقاح، إلى جانب تصدير المنتجات إلى أكثر من 60 دولة بحلول عام 2030، بحسب منصة Daily News Egypt، الشريك الإعلامي لشبكة TV BRICS.
وفي جنوب إفريقيا، يعد قطاع الصناعات الدوائية من أكثر القطاعات تطورًا في القارة الإفريقية، مع توقعات بوصول حجم السوق إلى 12.4 مليار دولار أمريكي.
ووفقًا لوكالة الأنباء الإثيوبية (ENA)، الشريك الإعلامي لشبكة TV BRICS، تنفذ إثيوبيا استراتيجية وطنية لتوطين الصناعات الدوائية. وبحسب بيانات وزارة الصحة الإثيوبية، أصبحت حصة الموردين المحليين تمثل أكثر من 44% من المشتريات الوطنية. وخلال فترة جائحة كورونا (كوفيد-19)، استخدمت الشركات التكنولوجية الناشئة في إثيوبيا تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج واقيات الوجه وصمامات أجهزة التنفس الصناعي.
أما إيران، فأصبحت الدولة الوحيدة في منطقتها التي تطور وتنتج بشكل مستقل لقاحات ضد شلل الأطفال والسل والكوليرا. ووفقًا لبيانات وكالة Mehr، الشريك الإعلامي لشبكة TV BRICS، تنتج البلاد أكثر من 90% من الأدوية التي تستهلكها محليًا.
وتعد إندونيسيا واحدة من أكبر وأسرع الأسواق الدوائية نموًا في جنوب شرق آسيا، وتمتلك مؤسسة حكومية قوية لإنتاج اللقاحات، تشمل منتجاتها مستحضرات مضادة لأمراض مثل الحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد B.
وتسهم هذه القدرات المتنوعة في تشكيل منظومة دوائية موزعة ومترابطة داخل بريكس+، حيث يمتلك كل بلد خبرات متخصصة يمكن أن تكمل قدرات الدول الأخرى. ويمثل هذا التكامل أساسًا للانتقال من الاستراتيجيات الدوائية الوطنية المنفردة إلى منصات صناعية مشتركة بين الدول، تجمع بين الخبرات العلمية والإنتاجية والاستثمارية. ولا يقتصر تأثير تطوير القدرات التصنيعية الدوائية على تحسين توفير الأدوية واللقاحات، بل يحقق أيضًا فوائد اقتصادية للدول من خلال تعزيز الصناعات المحلية، وتقليل الاعتماد على الواردات، ودعم بناء قواعد إنتاج وطنية أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

مصدر الصورة: Sergii Kolesnikov / iStock
تكاليف شراء الأدوية ومخاطر التأمين واقتصاديات الاحتياطيات الدوائية
يتحدث الخبراء بشكل متزايد عن مفهوم السيادة الدوائية، الذي يعني قدرة الدولة على توفير الأدوية الطبية الضرورية للسكان بشكل مستقل، وتطوير إنتاج اللقاحات، والحفاظ على مستوى مرتفع من تأهيل الكوادر الطبية. ويحوّل هذا النهج الشامل قطاع الصناعات الدوائية من بند ضمن النفقات الاجتماعية إلى عنصر من عناصر الأمن الاقتصادي للدولة. وتتمثل الفئة الأولى في تكلفة المشتريات الدوائية. فالدول التي لا تمتلك إنتاجًا دوائيًا محليًا تضطر إلى شراء الأدوية من الأسواق العالمية، حيث تخضع الأسعار لتقلبات حادة خلال فترات الأزمات.
ووفقًا لبيانات الاتحاد الإفريقي، تتجاوز النفقات الإجمالية لدول القارة على استيراد المنتجات الدوائية 16 مليار دولار أمريكي سنويًا، في حين يتم توفير ما يصل إلى 70% من الأدوية المستهلكة في هذه الدول عبر الاستيراد. في المقابل، تتيح القدرات الإنتاجية المحلية لدول بريكس إمكانية تطوير آليات تسعير داخلية تقلل من تقلبات ميزانيات شراء الأدوية. فالإنتاج الوطني يحول سعر الدواء من عامل خارجي تتحكم فيه الأسواق العالمية إلى متغير يمكن إدارته ضمن السياسة المالية للدولة.
أما الفئة الثانية فتتمثل في المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد. فالاعتماد على مورد واحد أو عدد محدود من الموردين يجعل أي اضطراب في سلسلة الإمداد يتحول مباشرة إلى عبء مالي على ميزانيات الدول. وتواجه وزارات المالية خيارين رئيسيين: إما الاستثمار في تنويع مصادر الإنتاج والإمداد وإنشاء آليات حماية، أو تحمل تكاليف أعلى بكثير عند حدوث الأزمات، سواء من خلال الخسائر المباشرة التي تصيب أنظمة الرعاية الصحية أو ارتفاع تكلفة توفير الأدوية.
وفي هذا السياق، أكدت مارغريتا إيساكوفا، الخبيرة في مجال الدبلوماسية الأكاديمية والعلمية، وتصدير التعليم الروسي، والتعاون الدولي في مجال الرعاية الصحية، والبحوث الطبية الدولية، أن "مفهوم إتاحة اللقاحات والأدوية لا يقتصر فقط على وجود اللقاح فعليًا في نقطة تقديم الرعاية الصحية. فالجانب الاقتصادي لا يقل أهمية، ويتمثل في إمكانية شراء الدواء أو الحصول عليه بغض النظر عن مستوى دخل المستهلك النهائي. وترتبط الإتاحة بشكل وثيق بمدى جاهزية البنية التحتية لاستقبال نوع معين من اللقاحات وحفظه وتوزيعه، وهو أمر لا يكون متاحًا دائمًا خارج المراكز الحضرية الكبرى".
وأوضحت إيساكوفا أن توفر الدواء رسميًا في السوق لا يعني بالضرورة وصوله الفعلي إلى السكان، إذ قد تبقى إمكانية الحصول عليه محدودة بشكل كبير، وهو ما يتحول إلى مخاطرة مباشرة على الميزانية العامة. وفي هذا السياق، يؤدي النموذج الهندي القائم على قاعدة إنتاجية متنوعة وتوجه تصديري دورًا يشبه أداة تأمين للسوق، حيث يقلل تعدد المنتجين وارتفاع مستوى المنافسة داخل القطاع الدوائي الهندي من احتمالية توقف الإمدادات بشكل كامل حتى في الظروف الطارئة والاستثنائية.
أما الفئة الثالثة فتتعلق بتكلفة إنشاء الاحتياطيات الاستراتيجية من الأدوية. فالدول التي تدرك هشاشة سلاسل الإمداد تضطر إلى تكوين مخزونات دوائية احتياطية، وهو ما يتطلب استثمارات رأسمالية وتكاليف تشغيلية كبيرة. ويؤدي الاحتفاظ بهذه المخزونات إلى تجميد جزء من الموارد المالية التي كان يمكن استخدامها في تطوير البنية التحتية الصحية أو تحسين الخدمات الطبية. فالاحتياطي الاستراتيجي يمثل ميزانية مجمدة، في حين أن الاندماج في سلاسل إنتاج مستقرة يمثل أصلًا اقتصاديًا فعالًا.
وتتمكن الدول التي تشارك في سلاسل إنتاج دوائية مستقرة ومترابطة من الاحتفاظ بمستويات أقل من المخزونات، اعتمادًا على انتظام الإمدادات وقدرتها على التنبؤ. وتؤكد هذه المعطيات أن تطوير صناعة دوائية وطنية لا يهدف فقط إلى ضمان توفر الأدوية خلال الأزمات، بل يسهم أيضًا في تقليل المخاطر المالية المرتبطة بالاعتماد على الأسواق الخارجية، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز قدرة الدول على بناء أنظمة صحية واقتصادية أكثر استدامة.
اقتصاد الثقة والتكامل التنظيمي في بريكس
إلى جانب القوة الإنتاجية، يوجد عامل آخر يفسر استدامة مكانة الهند في سوق الأدوية العالمي. فقد نجحت الشركات الهندية على مدى عقود في توفير إمدادات مستقرة من الأدوية لأنظمة الرعاية الصحية في دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وأسهم ذلك في تشكيل بنية تحتية للثقة والسمعة تقوم على القدرة على التنبؤ بجودة المنتجات وتكاليفها.
وتحولت منظومة الصناعات الدوائية الهندية إلى نموذج لإدارة المخاطر، حيث لا يقتصر دورها على توفير المنتجات الدوائية فقط، بل يمتد إلى تقليل حالة عدم اليقين التي تواجهها الأنظمة الصحية الوطنية عند تأمين احتياجاتها من الأدوية. وأدى هذا المسار إلى تكوين رأس مال قائم على السمعة يعتمد على سنوات طويلة من استقرار جودة المنتجات والإمدادات. وعلى خلاف المزايا السعرية قصيرة الأجل، فإن هذا النوع من الثقة لا يمكن تحقيقه من خلال إجراءات تحفيزية مؤقتة، بل يتطلب بناءً تدريجيًا ومستدامًا.
وبفضل ذلك، تحولت الهند من مجرد منتج دوائي كبير إلى مورد استراتيجي لجزء واسع من سوق الرعاية الصحية العالمي. ورغم التطور الكبير في القدرات الدوائية لدول بريكس، لا يزال التكامل الشامل بين أسواقها الدوائية محدودًا بسبب اختلاف الأنظمة التنظيمية الوطنية.
وتعمل هيئات الرقابة الدوائية في دول المجموعة بشكل مستقل، رغم وجود تقارب في المعايير الأساسية الخاصة بالجودة والسلامة. فالدواء الذي يحصل على التسجيل ويجتاز إجراءات التفتيش والرقابة في دولة معينة، يحتاج عند دخوله سوق دولة أخرى إلى المرور مرة أخرى عبر دورة كاملة من التقييم التنظيمي. وقد يؤدي هذا التكرار إلى تأخير طرح الأدوية في الأسواق لمدة تتراوح في المتوسط بين عامين وثلاثة أعوام، نتيجة الحاجة إلى إعادة تقديم الوثائق السريرية، وإجراء عمليات تفتيش إضافية لمواقع التصنيع، واستيفاء متطلبات جديدة مرتبطة بالتجارب المحلية.
ويصبح تجزؤ الأنظمة التنظيمية عاملًا يؤثر بشكل مباشر في سرعة وصول المرضى إلى الأدوية والخدمات الصحية، كما يحد من كفاءة التعاون بين الدول. كما تؤدي الإجراءات التنظيمية المعقدة إلى زيادة صعوبة إنتاج الأدوية الحيوية ورفع تكلفتها بشكل كبير، ما قد يؤخر وصول هذه المنتجات إلى الأسواق.
وفي الوقت نفسه، فإن تقليل الحواجز التنظيمية يتطلب تعزيز الثقة في آليات الرقابة والتقييم، خاصة في ظل الانتقادات التي تطلقها بعض شركات الأدوية العالمية الكبرى بشأن جودة المنتجات الدوائية القادمة من دول بريكس. ولهذا السبب، اعتبرت مارغريتا إيساكوفا، الخبيرة في مجال التعاون الدولي في قطاع الرعاية الصحية، أن التقارب التنظيمي يمثل أحد أكثر الأدوات فاعلية لتسريع تطوير الأدوية.
ويكمن الحل في مجال التقارب الوظيفي بين الأنظمة التنظيمية، وليس في إنشاء هيئة رقابية فوق وطنية أو توحيد التشريعات. ويعني ذلك اعتماد نموذج يمكن فيه للجهة التنظيمية في دولة ما الاستناد إلى نتائج عمليات التفتيش والتقييم التي أجرتها الجهة التنظيمية في دولة أخرى، بشرط تكافؤ معايير الجودة والإجراءات المعتمدة. ويتمثل المستوى الأول من التكامل في الاعتراف المتبادل بعمليات التفتيش والرقابة الخاصة بـ الممارسات التصنيعية الجيدة (GMP)، بما يلغي تكرار عمليات الفحص للمصانع التي حصلت بالفعل على شهادات اعتماد. ويسهم هذا النهج بشكل مباشر في خفض التكاليف وتسريع دورة الإنتاج، دون تقليل متطلبات سلامة المنتجات.
أما المستوى الثاني فيتمثل في إنشاء سجل رقمي موحد للمصنعين والمكونات الدوائية الفعالة، باعتباره قاعدة بيانات موزعة بين الهيئات التنظيمية الوطنية.ويوفر هذا النظام شفافية أكبر في سلاسل الإمداد، ويقلل مخاطر المنتجات الدوائية المزيفة، كما يعزز القدرة على إدارة الأسواق الدوائية على مستوى المجموعة بأكملها.
ويتمثل المستوى الثالث في تطوير بنية تحتية رقمية لتبادل البيانات التنظيمية، تشمل ملفات التسجيل الإلكترونية الموحدة وشهادات المنشأ الرقمية للأدوية. وعلى المدى الطويل، يمكن دمج هذه المنظومة مع تقنيات السجلات الموزعة، بما يضمن ثبات البيانات وإمكانية تتبع دورة حياة الدواء بالكامل، بدءًا من مرحلة تطويره وصولًا إلى استخدامه من قبل المستهلك النهائي.
أما المستوى الرابع والأكثر تعقيدًا، فيرتبط بتنسيق الإجراءات الخاصة بتسجيل الأدوية الحيوية المماثلة (Biosimilars) والمستحضرات البيولوجية المبتكرة. ويعد هذا المجال من أكثر القطاعات تعقيدًا من الناحية التنظيمية، لأنه لا يتطلب فقط تقييم التكافؤ الكيميائي، بل يشمل أيضًا دراسة مدى التشابه السريري للمنتجات بين مجموعات سكانية مختلفة.
وتُظهر التجارب العملية أن العقبة الرئيسية أمام مصدري المنتجات الدوائية لا تتمثل في تكاليف النقل أو الإجراءات الجمركية، بل في الحواجز التنظيمية، بما في ذلك تكرار التجارب السريرية، وإعادة إجراءات التسجيل، وعدم وجود اعتراف متبادل بمعايير الممارسات التصنيعية الجيدة (GMP). وتشمل هذه المعايير مجموعة القواعد والمتطلبات الخاصة بتنظيم عمليات إنتاج الأدوية وضبط جودتها. وتكتسب إقامة منصات مشتركة للبحوث السريرية بين دول بريكس أهمية خاصة في هذا السياق.
فبيانات المرضى، والأمراض، ونتائج العلاجات يمكن أن تصبح جزءًا من منظومة بحثية مشتركة، ما يساعد على تحسين جودة القرارات الطبية من خلال توسيع القاعدة الإحصائية، ومراعاة الخصائص الصحية والإقليمية لكل دولة. ويتحول التكامل التنظيمي إلى مشروع مؤسسي طويل الأمد يهدف إلى الانتقال من أسواق دوائية وطنية منفصلة إلى فضاء موحد قائم على الثقة التنظيمية.
وفي هذا النموذج، لا تعتمد سرعة وصول الأدوية إلى المرضى على العوائق الإدارية، بل على جاهزية الأنظمة الإنتاجية والعلمية لتطوير المنتجات واعتمادها وتطبيقها. وعلى المدى الطويل، يصبح هذا المستوى من التعاون أحد العوامل الرئيسية التي تحدد القدرة التنافسية لمنظومة الصناعات الدوائية في دول بريكس، من خلال تعزيز الابتكار، وتقليل المخاطر، وبناء سوق دوائية أكثر استدامة.

مصدر الصورة: utah778 / iStock
من الأدوية الجنيسة إلى تقنيات المستقبل
تنتقل المنافسة في قطاع الصناعات الدوائية العالمي إلى مستوى جديد. فقد تمكنت الهند من تحقيق ميزة تنافسية قوية بفضل قدرتها على إنتاج الأدوية الجنيسة بأسعار تنافسية، ما جعلها أحد أبرز الموردين للأسواق العالمية، خاصة في الدول النامية. إلا أن التحدي الجديد أمامها يتمثل في الانتقال من المنافسة السعرية إلى المنافسة التكنولوجية.
ويعد انتهاء حماية براءات الاختراع لعدد من الأدوية البيولوجية مرتفعة التكلفة أحد أهم العوامل التي تفتح المجال أمام مرحلة جديدة من المنافسة. ويتجاوز إجمالي مبيعات الأدوية الموصوفة طبيًا، التي ستصبح معرضة للمنافسة بعد انتهاء الحصرية المرتبطة ببراءات الاختراع حتى عام 2030، نحو 400 مليار دولار أمريكي.
ويمثل قطاع الأدوية البيولوجية نحو نصف هذا السوق، ما يجعله أحد أكثر المجالات الواعدة أمام تطوير الأدوية الحيوية المماثلة (Biosimilars)، وهي مستحضرات قادرة على محاكاة فعالية الأدوية البيولوجية الأصلية بتكلفة أقل. وخلال السنوات المقبلة، من المتوقع أن ينتقل السوق من مرحلة الاعتماد على حماية براءات الاختراع إلى مرحلة المنافسة السعرية، حيث سيحصل المنتجون الذين يدخلون هذا المجال مبكرًا على موقع استراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد ميزة مؤقتة.
ومن المتوقع أن يتجاوز حجم السوق العالمية للأدوية الحيوية المماثلة 60 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، بينما تستهدف الهند الحصول على حصة لا تقل عن 10% من هذا السوق. كما تشير التوقعات إلى أن سوق الأدوية الحيوية المماثلة في الصين سيصل إلى 52.2 مليار يوان بحلول عام 2028. ويؤدي دخول هذه الأدوية إلى الأسواق إلى انخفاض كبير في الأسعار، ما يوسع إمكانية حصول المرضى على علاجات متقدمة بتكلفة أقل.
وفي هذا الإطار، تعمل الهند على إعادة تشكيل نموذجها الصناعي من خلال زيادة الاستثمارات في الأدوية الحيوية المماثلة، والمستحضرات عالية التقنية، والبحوث التعاقدية، وتطوير الجزيئات الدوائية الجديدة. ويتمثل الهدف الرئيسي في الانتقال إلى مراحل أعلى من سلسلة القيمة، أي التحول من الإنتاج واسع النطاق إلى تطوير الابتكارات العلمية والمنصات التكنولوجية الخاصة.
وفي إطار استراتيجية تطوير التكنولوجيا الحيوية، رفعت الهند حجم اقتصادها الحيوي إلى 150 مليار دولار أمريكي، من خلال تمويل إنشاء مراكز بحثية، ودعم المشروعات، وإعداد المتخصصين. وفي الوقت نفسه، يشهد تنظيم الأبحاث الدوائية تحولًا كبيرًا، مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وتحليل البيانات الضخمة، التي تساعد على تسريع اكتشاف المركبات الواعدة وتحسين تنفيذ التجارب السريرية.
ومن المتوقع أن ينمو سوق تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية من 1.8 مليار دولار أمريكي عام 2023 إلى 13 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2034، بمتوسط نمو سنوي يقارب 19%. وتشير التوقعات إلى أن أكثر من نصف الأدوية الجديدة بحلول عام 2030 سيتم تطويرها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتستخدم خوارزميات التعلم الآلي حاليًا لتحليل الهياكل الجزيئية، وتحديد المركبات الدوائية الواعدة، ومحاكاة تفاعل الأدوية مع جسم الإنسان، ما يساهم في تقليل الفترات الزمنية اللازمة لعمليات البحث والتطوير. كما تمول الحكومة الهندية مبادرات تهدف إلى توسيع الاستخدام العملي للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تنظيم برامج تدريبية وورش عمل للمتخصصين من الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال.
وتؤدي السياسة الصناعية والتكنولوجية دورًا رئيسيًا في انتقال القطاع الدوائي إلى نموذج جديد من التنمية، فيما يصبح التعاون بين الحكومات والجامعات والمراكز العلمية عنصرًا أساسيًا لتعزيز القدرات المحلية. وعند تقاطع مجالات الصناعات الدوائية والهندسة الحيوية والصحة الرقمية، تتشكل قطاعات تكنولوجية متقدمة جديدة مرتبطة بالطب الشخصي ومنصات التشخيص الحديثة.
ويؤكد هذا التحول أن المنافسة المستقبلية في قطاع الدواء لن تعتمد فقط على تكلفة الإنتاج، بل على القدرة على تطوير منصات تكنولوجية متقدمة، وبناء قدرات بحثية قوية، وتحويل الإنجازات العلمية بسرعة إلى حلول تلبي احتياجات أنظمة الرعاية الصحية. وستحدد هذه التحولات مكانة الهند ودول بريكس في البنية الجديدة للاقتصاد الصحي العالمي، حيث تصبح التكنولوجيا والابتكار عنصرين رئيسيين في بناء القدرة التنافسية للقطاع الدوائي.
تصدير المعايير ونموذج جديد للتكامل الدوائي
لم يعد تصدير المنتجات الدوائية في العصر الحديث يقتصر على توريد الأدوية الجاهزة فقط، بل أصبح يشمل في الوقت نفسه نقل التقنيات الإنتاجية، وبرامج تدريب وتأهيل المتخصصين، وأساليب تنظيم البحوث السريرية، والحلول الرقمية لإدارة سلاسل الإمداد، ونماذج التعاون بين الدولة والمجتمع العلمي والقطاع الخاص.
وتشكل البرامج التعليمية المشتركة لإعداد الصيادلة، والكيميائيين المتخصصين في التكنولوجيا الدوائية، والخبراء في الشؤون التنظيمية عنصرًا أساسيًا في هذا التعاون، لا يقل أهمية عن نقل التقنيات الصناعية، باعتبار أن تطوير الكفاءات البشرية يمثل جزءًا رئيسيًا من بناء صناعة دوائية مستدامة.
وفي هذا الإطار، تتشكل منظومة تعاون طويلة الأمد تتجاوز التأثير الاقتصادي لعمليات التصدير التقليدية، وتفتح أمام دول بريكس فرصة للانتقال من نموذج يعتمد على التجارة فقط إلى نموذج قائم على التعاون الصناعي الموزع، حيث تؤدي كل دولة دورًا متخصصًا وفقًا لقدراتها، بينما تعتمد استدامة المنظومة على تنويع الموارد والخبرات وليس على تركيزها في دولة واحدة.
وتعمل دول المجموعة على إنشاء فضاء خاص للتبادل التكنولوجي، تصبح فيه المعرفة والخبرات والحلول الإنتاجية عناصر أساسية للتعاون، إلى جانب تجارة السلع وحركة رؤوس الأموال. وبذلك يتحول التعاون الدوائي من مجرد مجال ضمن السياسات الصناعية إلى أداة لتشكيل نموذج جديد للتكامل الاقتصادي. ويختلف هذا النموذج عن العلاقات التقليدية القائمة على التصدير والاستيراد، إذ يقوم على توزيع الوظائف الإنتاجية بين دول المجموعة.
فبعض الدول تمتلك صناعات كيميائية متقدمة، بينما تتمتع دول أخرى بخبرات واسعة في مجال التكنولوجيا الحيوية، في حين توفر دول أخرى موارد استثمارية كبيرة، وتمتلك دول رابعة أسواقًا سريعة النمو في قطاع الخدمات الطبية. ويتيح هذا التكامل بناء منظومة أكثر مرونة تجمع بين القدرات الصناعية والعلمية والاستثمارية لمختلف الدول المشاركة.
وتكتسب عملية توسيع مجموعة بريكس+ أهمية خاصة في هذا النموذج، إذ إن انضمام دول تمتلك موارد مالية كبيرة يوفر فرصًا إضافية لتنفيذ مشروعات ضخمة في مجالات الصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الحيوية، والبنية التحتية الطبية. ويسهم ذلك في تشكيل نظام يجمع بين التعاون الصناعي والتكامل الاستثماري، بحيث تحصل القدرات الإنتاجية على مصادر تمويل طويلة الأجل تساعدها على التطور والتوسع.
ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة إنشاء فضاء علمي مشترك. إذ يسمح تطوير مشروعات بحثية مشتركة بين الجامعات والمراكز العلمية وشركات الأدوية بتقليص دورة تطوير الأدوية الجديدة بشكل كبير، وتسريع إدخال التقنيات الحديثة إلى الإنتاج الصناعي.ويتحول تبادل المعرفة من عنصر مكمل للتعاون إلى عامل مستقل للنمو الاقتصادي. ويمكن لتركيز القدرات العلمية بين دول بريكس أن يساعد دول المجموعة على الانتقال من الاعتماد على إنتاج الأدوية الجنيسة إلى تطوير أدوية مبتكرة وتقنيات علاجية خاصة بها.
وفي هذا السياق، أكدت مارغريتا إيساكوفا أن: "بالنسبة إلى قائمة واسعة من الأمراض المدارية المهملة، لا تعمل شركات الأدوية متعددة الجنسيات على تطوير أدوية جديدة بشكل عام بسبب غياب الحوافز التجارية. وتعتمد دول الجنوب على قدراتها الذاتية أو المبادرات الإنسانية، وليس على الشركات متعددة الجنسيات".
وترى الخبيرة أن التعاون داخل بريكس يكتسب في هذا السياق أهمية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى بُعد إنساني مباشر، إذ يمكن للمجموعة أن تسهم في توفير حلول للمجالات التي لا يغطيها السوق العالمي بشكل كافٍ.
وفي ظل هذا التحول، لم يعد تصدير الأدوية يمثل الهدف النهائي للتعاون الدوائي، بل أصبح وسيلة لبناء سوق مشتركة للتكنولوجيا والمعرفة والتعاون الصناعي. ومن شأن هذه المنظومة أن تمنح دول بريكس قدرة أكبر على تعزيز الاستقرار الاقتصادي، ورفع مستوى الاعتماد على القدرات الذاتية، ومواجهة التحولات في الاقتصاد العالمي من خلال الجمع بين الإنتاج والابتكار والاستثمار وتبادل الخبرات.

مصدر الصورة: PeopleImages / iStock
السيادة الدوائية كمعمار جديد لتنمية دول الجنوب العالمي
لم تعد الصناعة الدوائية العالمية مجرد قطاع اقتصادي منفصل، بل أصبحت تدريجيًا أحد العوامل الرئيسية في تشكيل نموذج جديد للتعاون الاقتصادي الدولي، في ظل تحول المنافسة العالمية نحو بناء أنظمة صحية أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الأزمات.
وفي المرحلة الجديدة، لا تقتصر المنافسة على الدول التي تنتج أكبر كميات من الأدوية، بل تكون الأفضلية للدول القادرة على دمج القدرات الإنتاجية، والأنظمة التنظيمية، والخبرات العلمية، والموارد الاستثمارية ضمن منظومة متكاملة.
وتعد التجربة الهندية مثالًا بارزًا على هذا التحول، حيث أظهرت أن تحقيق السيادة الدوائية لا يعتمد فقط على حجم الاستثمارات الحكومية أو انخفاض تكلفة العمالة، بل يرتبط بتطوير جميع عناصر المنظومة الدوائية بشكل متكامل، بحيث تعمل كشبكة واحدة تشمل الإنتاج، والبحث العلمي، والتنظيم، والاستثمار. وقد ساعد هذا النهج الهندَ على تحويل قطاع الصناعات الدوائية إلى أحد أكثر القطاعات الاقتصادية نموًا وتطورًا من الناحية التكنولوجية.
وتتجاوز أهمية النموذج الهندي حدود نجاح قطاع وطني واحد، إذ تقدم تجربة يمكن أن تستفيد منها دول بريكس وبريكس+ في بناء نموذج جديد للتعاون الدوائي. ويقوم هذا النموذج على إنشاء منظومة إنتاج دوائي موزعة تعتمد على تكامل القدرات بين عدة دول، من خلال التعاون بين المصانع، والمراكز البحثية، والموارد الاستثمارية، والهيئات التنظيمية. ومن شأن هذا النهج أن يعزز استقرار سلاسل الإمداد الدوائية، ويقلل الاعتماد على عدد محدود من المنتجين للسلع الطبية الحيوية، كما يخلق أساسًا للتطور التكنولوجي طويل الأمد.
وأكدت فيتوريا دافي مارزولا، الخبيرة في مجال الطب والصحة العامة، أن دول الجنوب العالمي بدأت تتجاوز دور المستهلك التقليدي للقاحات والأدوية، لتشارك في مختلف مراحل السلسلة الدوائية، بما يشمل البحث العلمي، والتجارب السريرية، والإنتاج، والتنظيم، والتوزيع، ومراقبة سلامة المنتجات. وأوضحت أن الانتقال من دور المشتري إلى دور الشريك في التطوير المشترك يمثل جوهر مفهوم السيادة الدوائية الحديثة.
وأصبح اقتصاد الصحة جزءًا من منظومة الأمن المشترك للدول، إذ إن بناء قدرات دوائية مستقلة لا يضمن فقط توفر الأدوية، بل يسهم أيضًا في إنشاء بنية تحتية اقتصادية مستدامة تدعم التنمية على المدى الطويل. وفي ظل التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي، يمكن لهذا النموذج أن يصبح أحد الأسس الرئيسية لتعزيز السيادة الدوائية لدول بريكس وبريكس+، من خلال الجمع بين الإنتاج المحلي، والابتكار العلمي، والتعاون الدولي.
وتبرز الهند اليوم باعتبارها مهندسًا لنموذج جديدٍ للرعاية الصحية في الجنوب العالمي، حيث تجمع بين إتاحة الأدوية، واستدامة الإنتاج، والاستقلالية التكنولوجية ضمن منظومة اقتصادية واحدة. ولا تقتصر صادرات الهند حاليًا على المنتجات الدوائية فقط، بل تشمل أيضًا نموذجًا متكاملًا لتنظيم الاقتصاد الدوائي الحديث، يقوم على التعاون الصناعي، والتطوير التكنولوجي، والشراكات المؤسسية طويلة الأمد.
المقال من إعداد فاخيت نيازوف.