المعادن الأرضية النادرة: مورد للتطور التكنولوجي لدول بريكس
ما أهمية المعادن الأرضية النادرة لاقتصادات دول بريكس؟ ولماذا تُلقب بـ "فيتامينات الصناعة"؟ الإجابة في مقال TV BRICS
فيتامينات الصناعة
بات مصطلح "المعادن الأرضية النادرة" يتصدر واجهة النقاشات العالمية المرتبطة بتطوير قطاعات الفضاء، والطاقة الخضراء، والإلكترونيات، والروبوتات، والطب؛ إذ أضحى من المستحيل اليوم تشييد حضارة تقنية متطورة دون الارتكاز على هذه الموارد الحيوية.
ووفقاً للتحليلات العلمية، تُعرف هذه المجموعة التي تضم 17 عنصراً كيميائياً، من بينها اللانثانوم والنيوديميوم والإربيوم، بلقب "فيتامينات الصناعة"؛ نظراً لما تتمتع به من خصائص مغناطيسية وكهربائية وبصرية استثنائية. ويعود هذا المسمى إلى الحاجة لاستخدامها بكميات ضئيلة للغاية، ومع ذلك فهي تساهم في تحسين خصائص المواد بشكل جذري، مما يمنح الإلكترونيات ووسائل النقل وقطاع الطاقة كفاءة أعلى وأحجاماً أصغر.
وقد يفضي أي نقص في هذه المعادن إلى أزمة تكنولوجية شاملة؛ فمن الناحية النظرية، يمكن لغياب هذه المكونات التي تعمل كمحفزات للتقدم أن يعطل إنتاج الإلكترونيات ويضع مسيرة "التحول الأخضر" العالمي في دائرة الخطر، وهو احتمال تزداد وتيرته في ظل المؤشرات التي تؤكد نمواً متصاعداً في الطلب العالمي عليها.
"سوف ينمو الطلب بنسبة تتراوح بين 8 إلى 10 في المائة سنوياً على الأقل حتى عام 2035. وتتمثل المحركات الرئيسية في السيارات الكهربائية (حيث تتطلب كل سيارة نصف كيلوغرام من النيوديميوم) وتوربينات الرياح"![]()
عبيد أميري خبير في التعاون الاقتصادي والتكنولوجي ضمن إطار بريكس والتحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي
ويُشير الخبراء إلى أن الطلب على أصناف محددة من المعادن الأرضية النادرة قد يتضاعف بمقدار 40 مرة خلال العقد المقبل؛ وبالتدقيق في حجم الاحتياطيات، يتبين أنها لا تتسم بالندرة الشديدة داخل جغرافيا دول مجموعة بريكس.
احتياطيات وإنتاج المعادن الأرضية النادرة في دول مجموعة بريكس
ووفقاً لتقديرات وزارة التعليم والعلوم الروسية، فإن إجمالي احتياطي هذه المعادن في دول المجموعة العشرة يستحوذ على ما يتراوح بين 69% و78% من الاحتياطيات العالمية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى ما بين 88% و97% عند إضافة فيتنام إلى الحسابات.
وبحسب معطيات معهد الاقتصاد الرياضي المركزي التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، تتركز أضخم الاحتياطيات في الصين (44 مليون طن، أي 40% من الإجمالي العالمي)، تليها فيتنام (20%)، ثم البرازيل (19%)، فروسيا بنسبة تتراوح بين 9% و18% وفقاً لتقديرات متباينة.
وتتبوأ الصين مكانة الرائدة العالمية بلا منازع في هذا القطاع؛ إذ لا تكتفي بامتلاك الاحتياطيات الضخمة، بل تؤمن ما يزيد على 70% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة وتستحوذ على 85% من عمليات معالجتها، وفقاً لوكالة شينخوا (Xinhua News Agency)، الشريك الإعلامي لشبكة TV BRICS؛ ويعزى هذا التفوق الصيني بشكل كبير إلى منطقة "بايان أوبو" التعدينية في منغوليا الداخلية.
ورغم انتشار هذه المعادن في القشرة الأرضية، إلا أن وجودها بتركيزات منخفضة يجعل من استخراجها ومعالجتها تحدياً اقتصادياً وبيئياً معقداً؛ حيث يستلزم التوسع في الإنتاج تنفيذ عمليات استخراج واسعة النطاق لضمان الجدوى الاقتصادية، مما يرفع من التكاليف التشغيلية.
كما أن هناك مخاطر بيئية وصحية جسيمة ترتبط بعمليات التنقية، كونها تتسم بكثافة استهلاك الطاقة والتعقيد الكيميائي؛ إذ تُستخدم فيها مواد خطرة مثل الأحماض المركزة، مما يرفع من احتمالات حدوث تسربات قد تؤدي إلى عواقب وخيمة.
"المشكلة لا تكمن فقط في استخراج العناصر الأرضية النادرة، بل وأيضاً في معالجتها مع الالتزام بمعايير بيئية وتكنولوجية رفيعة. فعمليات استخراج المعادن تترك أثراً كبيراً وتتطلب استثمارات في مجالات الفصل، والمعالجة الكيميائية، والرقابة البيئية، وإنشاء القدرات الصناعية"![]()
إريك إسكالونا أغيلار الأستاذ المساعد في جامعة الفنون والعلوم والاتصالات (UNIACC) في سانتياغو (تشيلي)
كما يدفع تنامي الطلب العالمي والحاجة الاستراتيجية للمعادن الأرضية النادرة الدول نحو تعزيز قدراتها في مجالات الاستخراج والمعالجة لدعم نموها الاقتصادي؛ وحسبما أوردت بيانات الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، فقد ضمت قائمة الدول العشر الرائدة في إنتاج هذه المعادن كلاً من البرازيل وروسيا والهند، إلى جانب الصين والقوى العالمية الأخرى.
وفي تعليق لشبكة TV BRICS على واقع السوق الحالي، قال إريك إسكالونا أغيلار، االأستاذ المساعد في جامعة الفنون والعلوم والاتصالات (UNIACC) في سانتياغو (تشيلي): "لا يزال سوق العناصر الأرضية النادرة مركزاً في الصين، ليس فقط في قطاع التعدين، بل وفي صناعات التكرير والفصل والمغناطيسات أيضاً. أما بالنسبة لدول مجموعة بريكس، فإن روسيا والبرازيل والهند تمتلك احتياطيات ضخمة، بيد أن التحدي الذي يواجهها يكمن في تحويل تلك الموارد الجيولوجية إلى قدرات صناعية فعالة".
مصدر الصورة: Photon-Photos / iStock
المنصة الجيولوجية ومبادرات مجموعة بريكس المشتركة
تمثل المنصة الجيولوجية الرقمية المشتركة لدول مجموعة بريكس، والتي بدأ العمل على تأسيسها منذ عام 2024، محطة محورية في مساعي تحويل الموارد الطبيعية إلى قدرات صناعية متكاملة؛ إذ تهدف هذه الخدمة لتعزيز التواصل بين المتخصصين في قضايا التنقيب الجيولوجي واستخدامات باطن الأرض، وإرساء قواعد لتبادل المعارف والتقنيات، وإطلاق مشاريع استثمارية مشتركة.
وهناك تفاهمات مبرمة تتعلق بالأطر القانونية وتنظيم البرامج التعليمية المشتركة؛ غير أن القيمة الجوهرية للمنصة تكمن في توحيد الجهود لتطبيق أحدث المنهجيات في الاستخراج الصديق للبيئة والمعالجة العميقة للمعادن الأرضية النادرة. كما تسعى المنصة لدمج الاستثمارات لتطوير المكامن الجيولوجية المعقدة، مثل مكمن "تومتور" في ياقوتيا الروسية، الذي يعد من أضخم مصادر المعادن النادرة والنيوبيوم عالمياً، بالإضافة إلى الرواسب البرازيلية.
ووفقاً للتحليلات، فإن مبادرات المجموعة الأخرى، كتفعيل التسويات بالعملات الوطنية وتحديث المسارات اللوجستية، ستلعب دوراً سانداً في هذا القطاع؛ حيث صرح عبيد أميري، الخبير في التعاون الاقتصادي والتكنولوجي لدول مجموعة بريكس: "إن سلاسل النقل عبر طريق البحر الشمالي وممرات السكك الحديدية (روسيا-كازاخستان-الهند) تختصر زمن التسليم من 45 يوماً إلى 18 يوماً فقط. وستزداد السيادة التكنولوجية بقدر ما تتقاسم دول مجموعة بريكس ليس فقط عمليات الاستخراج، بل ومصانع فصل المعادن الأرضية النادرة أيضاً".
مصدر الصورة: Pla2na / iStock
يُشدد الخبراء على حتمية تنويع الرقعة الجغرافية لاستخراج المعادن الأرضية النادرة، وتعزيز المشاريع المشتركة داخل مجموعة بريكس لتغطية الدورة الإنتاجية الكاملة وصولاً إلى المنتج النهائي. وفي هذا السياق، يرى إريك إسكالونا أغيلار أن "المشاريع المشتركة بين دول مجموعة بريكس يمكن أن تحسن الخدمات اللوجستية وتعزز السيادة التكنولوجية، ولكن فقط في حال دمجت بين الاستخراج والمعالجة والإنتاج وإعادة تدوير النفايات".
وتكتسب عملية تصنيع المنتجات عالية التقنية، كالمغناطيسات الدائمة والليزر والبطاريات، أهمية قصوى لكونها تمثل جوهر الاستقلال التكنولوجي والقوة الاقتصادية؛ إذ تفرض الصين ريادتها العالمية حالياً عبر سيطرتها على كافة مراحل العمل، بدءاً من الاستخراج والتخصيب وصولاً إلى إنتاج الجزء الأكبر من مغناطيسات "النيوديميوم" عالمياً.
ولهذا السبب، تبرز ضرورة استقطاب الاستثمارات ضمن شراكات مجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، لتشييد مراكز معالجة بجوار المكامن التعدينية. وفي هذا الإطار، أقرت الحكومة الروسية في ديسمبر 2025 خطة شاملة لتطوير قطاع المعادن الأرضية النادرة، تشتمل على مشاريع تكنولوجية كبرى، من بينها تأسيس مجمع للمعالجة العميقة.
هذا المقال من إعداد سفيتلانا خريستوفوروفا.
DIGITAL WORLD
مركز بريكس+ الإعلامي
MODERN RUSSIAN